القرآن الكريم

 

القرآن للجوال

 

القرآن المجود

 

القرآن المرتل

 

البحث في القرآن

 

التفاسير

 

الاحاديث النبوية

 

البحث في الاحاديث

المنتديات أضف للمفضلة صفحة البداية أرسل لصديق إطبع الصفحة سجل ازوار إتصل بنا Bookmark and Share
 
 


  الرئيسية / 

تفسير إبن كثير صفحة 32

 
معلومات الصفحة
إسم المؤلف : هو الامام الحافظ الحجة المؤرخ ذو الفضائل عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير ، القرشي البصروى الأصل الدمشقى المولد و المنشأ و التعليم توفى عام 774 هـ.
عدد الصفحات : 604 عدى المقدمة
آخر تحديث : الاحد 04,شوال,1431 الموافق Sun 12,Sep,2010

لقد تم تقسيم كل كتب التفسير الي 604 صفحة بعدد صفحات القرآن الكريم (طبعة الملك فهد رحمه الله).

 
 
السورة الآية
صفحة
الصــ 32 ــفحة
الأولى 29 30 31 32 33 34 35 50 100 150 200 300 الأخيرة

تفسير إبن كثير سورة البقرة من 203 الي 210


وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 203 )
قال ابن عباس: « الأيام المعدودات » أيام التشريق، و « الأيام المعلومات » أيام العَشْر. وقال عكرمة: ( وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ) يعني:التكبير أيامَ التشريق بعد الصلوات المكتوبات:الله أكبر، الله أكبر.
وقال الإمام أحمد:حدثنا وَكِيع، حدثنا موسى بن علي، عن أبيه، قال:سمعت عقبة بن عامر قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يوم عَرَفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدُنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب » .
وقال الإمام أحمد أيضًا:حدثنا هُشَيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نُبَيشة الهذلي قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أيام التشريق أيامُ أكل وشرب وذكر الله » . رواه مسلم أيضًا وتقدم حديث جبير بن مطعم: « عَرَفَة كلها موقف، وأيام التشريق كلها ذبح » . وتقدم [ أيضًا ] حديث عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي « وأيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه » .
وقال ابن جرير:حدثنا يعقوب بن إبراهيم وخلاد بن أسلم، قالا حدثنا هُشَيم، عن عَمْرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أيام التشريق أيام طُعْم وذكر » .
وحدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا رَوْح، حدثنا صالح، حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حُذافة يطوف في منى: « لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب، وذكر الله، عز وجل » .
وحدثنا يعقوب، حدثنا هُشَيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، قال:بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة، فنادى في أيام التشريق فقال: « إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله، إلا من كان عليه صَوْم من هَدْي » .
زيادة حسنة ولكن مرسلة. وبه قال هُشَيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بشْرَ بن سحيم، فنادى في أيام التشريق فقال: « إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله » .
وقال هُشَيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة قالت:نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق، قال: « هي أيام أكل وشرب وذكر الله » .
وقال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحاكم الزُّرَقي، عن أمه قالت:لكأني أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، حتى وقف على شعب الأنصار وهو يقول: « يا أيها الناس، إنها ليست بأيام صيام، إنما هي أيام أكل وشرب وذكر » .
وقال مِقْسَم عن ابن عباس:الأيام المعدودات:أيام التشريق، أربعة أيام:يوم النحر، وثلاثة [ أيام ] بعده ، ورُوي عن ابن عمر، وابن الزبير، وأبي موسى، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، وأبي مالك، وإبراهيم النخَعي، [ ويحيى بن أبي كثير ] والحسن، وقتادة، والسدي، والزهري، والربيع بن أنس، والضحاك، ومقاتل بن حيّان، وعطاء الخراساني، ومالك بن أنس، وغيرهم - مثل ذلك.
وقال علي بن أبي طالب :هي ثلاثة، يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيِّهنّ شئت، وأفضلها أولها.
والقول الأول هو المشهور وعليه دل ظاهر الآية الكريمة، حيث قال: ( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) فدل على ثلاثة بعد النحر.
ويتعلق بقوله: ( وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ) ذكْرُ الله على الأضاحي، وقد تقدم، وأن الراجح في ذلك مذهب الشافعي، رحمه الله، وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق. ويتعلق به أيضًا الذكر المؤقت خلف الصلوات، والمطلق في سائر الأحوال. وفي وقته أقوال للعلماء، وأشهرها الذي عليه العمل أنَّه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو آخر النَّفْر الآخِر. وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني، ولكن لا يصح مرفوعا والله أعلم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان يكبر في قبته، فيكبر أهل السوق بتكبيره، حتى ترتج منى تكبيرًا.
ويتعلق بذلك أيضًا التكبيرُ وذكر الله عند رمي الجمرات كلّ يوم من أيام التشريق. وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: « إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله عز وجل » .
ولما ذكر الله تعالى النَّفْر الأول والثاني، وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف، قال: ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) [ أي:تجتمعون يوم القيامة ] ، كما قال: وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [ المؤمنون:79 ] .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ( 204 ) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ( 205 ) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ( 206 ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ( 207 )
قال السدي:نـزلت في الأخنس بن شَرِيق الثقفي، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك. وعن ابن عباس:أنها نـزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خُبَيب وأصحابه الذين قتلوا بالرّجيع وعابُوهم، فأنـزل الله في ذم المنافقين ومدح خُبَيب وأصحابه: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ )
وقيل:بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم. وهذا قول قتادة، ومجاهد، والرّبيع بن أنس، وغير واحد، وهو الصحيح.
وقال ابن جرير:حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نَوْف - وهو البكالي، وكان ممن يقرأ الكتب - قال:إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنـزل:قَوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمَرّ من الصّبرِ، يلبسون للناس مُسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله تعالى:فعليّ يجترئون! وبي يغتَرون! حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران. قال القرظي:تدبرتها في القرآن، فإذا هم المنافقون، فوجدتها: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ) الآية.
وحدثني محمد بن أبي معشر، أخبرني أبي أبو معشر نَجِيح قال:سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد:إن في بعض الكتب:إنّ [ لله ] عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمَرّ من الصّبر، لبسوا للناس مُسُوك الضأن من اللين، يَجْترّون الدنيا بالدين. قال الله تعالى:عليّ تجترئون! وبي تغترون!. وعزتي لأبعثنّ عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. فقال محمد بن كعب:هذا في كتاب الله. فقال سعيد:وأين هو من كتاب الله؟ قال:قول الله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) الآية. فقال سعيد:قد عرفتُ فيمن أنـزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب:إن الآية تنـزل في الرجل، ثم تكون عامة بعد. وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح.
وأما قوله: ( وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ) فقرأه ابن محيصن: ( ويَشْهَدُ اللهُ ) بفتح الياء، وضم الجلالة ( عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ) ومعناها:أن هذا وإن أظهر لكم الحيل لكن الله يعلم من قلبه القبيح، كقوله تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [ المنافقون:1 ] .
وقراءة الجمهور بضم الياء، ونصب الجلالة ( وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ) ومعناه:أنه يُظْهرُ للناس الإسلام ويبارزُ الله بما في قلبه من الكفر والنفاق، كقوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ الآية [ النساء:108 ] هذا معنى ما رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وقيل:معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حَلَف وأشهد الله لهم:أن الذي في قلبه موافق للسانه. وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير، وعزاه إلى ابن عباس، وحكاه عن مجاهد، والله أعلم.
وقوله: ( وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ) الألد في اللغة: [ هو ] الأعوج، وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [ مريم:97 ] أي:عُوجًا. وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب، ويَزْوَرّ عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « آية المنافق ثلاث:إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر » .
وقال البخاري:حدثنا قَبيصةُ، حدثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن عائشة تَرْفَعُه قال: « أبغض الرجال إلى الله الألَدُّ الخَصم » .
قال:وقال عبد الله بن يزيد:حدثنا سفيان، حدثني ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم » .
وهكذا رواه عبد الرزاق، عن مَعْمَر في قوله: ( وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ) عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم » .
وقوله: ( وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) أي:هو أعوج المقال، سيّئ الفعَال، فذلك قوله، وهذا فعله:كلامه كَذِب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة.
والسعي هاهنا هو:القَصْد. كما قال إخبارًا عن فرعون: ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى [ النازعات:22- 26 ] ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [ الجمعة:9 ] أي:اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهيّ عنه بالسنة النبوية: « إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تَسْعَوْن، وأتوها وعليكم السكينةُ والوقار » .
فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو:مَحل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو:نتاج الحيوانات الذين لا قوَام للناس إلا بهما.
وقال مجاهد:إذا سُعى في الأرض فسادًا، منع الله القَطْرَ، فهلك الحرث والنسل. ( وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) أي:لا يحب من هذه صفَته، ولا من يصدر منه ذلك.
وقوله: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ ) أي:إذا وُعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له:اتق الله، وانـزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق - امتنع وأبى، وأخذته الحميَّة والغضب بالإثم، أي:بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [ الحج:72 ] ، ولهذا قال في هذه الآية: ( فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ) أي:هي كافيته عقوبة في ذلك.
وقوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ) لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذَكَر صفات المؤمنين الحميدة، فقال: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ )
قال ابن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النّهدي، وعكرمة، وجماعة:نـزلت في صُهيب بن سنَان الرومي، وذلك أنَّه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإنْ أحب أن يتجرّد منه ويهاجر، فَعَل. فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنـزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرّة. فقالوا :رَبح البيع. فقال:وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أنّ الله أنـزل فيه هذه الآية. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: « ربِح البيع صهيب، ربح البيع صهيب » .
قال ابن مَرْدُويه:حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الله بن رُسْتَة، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا جعفر بن سليمان الضَبَعي، حدثنا عوف، عن أبي عثمان النهدي، عن صهيب قال:لما أردتُ الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش:يا صهيبُ، قَدمتَ إلينا ولا مَالَ لك، وتخرج أنت ومالك! والله لا يكون ذلك أبدًا. فقلت لهم:أرأيتم إن دَفَعْتُ إليكم مالي تُخَلُّون عني؟ قالوا:نعم. فدفعتُ إليهم مالي، فخلَّوا عني، فخرجت حتى قدمتُ المدينة. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « رَبح صهيبُ، ربح صهيب » مرتين .
وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال:أقبل صهيب مهاجرًا نحو النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نَفَر من قريش، فنـزل عَنْ راحلته، وانتثل ما في كنانته. ثم قال يا معشر قريش، قد علمتم أنّي من أرماكم رجلا وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي كُلّ سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شَيْء، ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وقُنْيتي بمكة وخلَّيتم سبيلي؟ قالوا:نعم. فلما قَدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ربح البيع، ربح البيع » . قال:ونـزلت: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ )
وأما الأكثرون فحمَلوا ذلك على أنها نـزلت في كل مُجَاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ التوبة:111 ] . ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين، أنكر عليه بعضُ الناس، فردّ عليهم عُمَر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ )
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 208 ) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 209 )
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدّقين برسوله:أنْ يأخذوا بجميع عُرَى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك.
قال العوفي، عن ابن عباس، ومجاهد، وطاوس، والضحاك، وعكرمة، وقتادة، والسُّدّي، وابن زيد، في قوله: ( ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ ) يعني:الإسلام.
وقال الضحاك، عن ابن عباس، وأبو العالية، والربيعُ بن أنس: ( ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ ) يعني:الطاعة. وقال قتادة أيضًا:الموادعة.
وقوله: ( كَافَّةً ) قال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، وعكرمة، والربيع، والسّدي، ومقاتل بن حَيَّان، وقتادة والضحاك:جميعًا، وقال مجاهد:أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر.
وزعم عكرمة أنها نـزلت في نفر ممن أسلم من اليهود وغيرهم، كعبد الله بن سلام، وثعلبة وأسَد بن عُبَيد وطائفة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يُسْبتوا، وأن يقوموا بالتوراة ليلا. فأمرهم الله بإقامة شعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها. وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، إذْ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت، وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه، والتعويض عنه بأعياد الإسلام.
ومن المفسرين من يجعل قوله: ( كَافَّةً ) حالا من الداخلين، أي:ادخلوا في الإسلام كلكم. والصحيح الأول، وهو أنَّهم أمروا [ كلهم ] أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام، وهي كثيرة جدًا ما استطاعوا منها. وقال ابن أبي حاتم:أخبرنا علي بن الحسين، أخبرنا أحمد بن الصباح، أخبرني الهيثم بن يمان، حدثنا إسماعيل بن زكريا، حدثني محمد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) - كذا قرأها بالنصب - يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمْر التوراة والشرائع التي أنـزلت فيهم، فقال الله: ( ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) يقول:ادخلوا في شرائع دين محمد صلى الله عليه وسلم ولا تَدَعُوا منها شيئًا وحسبكم بالإيمان بالتوراة وما فيها.
وقوله: ( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) أي:اعملوا الطاعات ، واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان فـ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [ البقرة:169 ] ، و إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [ فاطر:6 ] ؛ ولهذا قال: ( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) قال مُطَرِّف:أغش عباد الله لعَبِيد الله الشيطان.
وقوله: ( فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ ) أي:عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحُجَجُ، فاعلموا أن الله عزيز [ أي ] في انتقامه، لا يفوته هارب، ولا يَغلبه غالب. حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه؛ ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس:عزيز في نقمته، حكيم في أمره. وقال محمد بن إسحاق:العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء، الحكيم في عذره وحجته إلى عباده.
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ( 210 )
يقول تعالى مُهَدّدًا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ ) يعني:يوم القيامة، لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كُلّ عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولهذا قال: ( وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ ) كما قال: كَلا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [ الفجر:21 - 23 ] ، وقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ الآية [ الأنعام:158 ] .
وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير هاهنا حديث الصور بطوله من أوله، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم، وفيه: « أنّ الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدًا واحدًا، من آدم فمن بعده، فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد، صلوات الله وسلامه عليه، فإذا جاؤوا إليه قال:أنا لها، أنا لها. فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء بين العباد، فيُشفّعه الله، ويأتي في ظُلَل من الغمام بعد ما تنشق السماء الدنيا، وينـزل من فيها من الملائكة، ثم الثانية، ثم الثالثة إلى السابعة، وينـزل حملة العرش والكَرُوبيّون ، قال:وينـزل الجبار، عز وجل، في ظُلَل من الغمام والملائكةُ، ولهم زَجَل مِنْ تسبيحهم يقولون:سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سُبّوح قدوس، رب الملائكة والروح، قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه أبدًا أبدًا » .
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه هاهنا أحاديث فيها غرابة والله أعلم؛ فمنها ما رواه من حديث المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن مسروق، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، قيامًا شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فَصْل القضاء، وينـزل الله في ظُلَل من الغمام من العرش إلى الكرسي » .
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا أبو بكر بن عطاء بن مقدم، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت عبد الجليل القَيْسي، يحدّث عن عبد الله بن عمرو: ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ) الآية، قال:يهبط حين يهبط، وبينه وبين خَلْقه سبعون ألف حِجَاب، منها:النور، والظلمة، والماء. فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتًا تنخلع له القلوب.
قال:وحدثنا أبي:حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد قال:سألت زهير بن محمد، عن قول الله: ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ) قال:ظلل من الغمام، منظوم من الياقوت مكلَّل بالجوهر والزبَرْجَد.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ) قال:هو غير السحاب، ولم يكن قَطّ إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ )
[ قال ] :يقول:والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء - وهي في بعض القراءة: « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظُلَل من الغمام » وهي كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا [ الفرقان:25 ] .

 
المساعدة
القرآن الكريم

 

الصوتيات والمرئيات

 

السنة المطهرة

 

برامج ضرورية

 

 
 
 
 
 

Comments - التعليقات

الاراء هنا لا تعبر بالضرورة عن راي الموقع

The Quraan in English , French , German , Italian , Spanish , Feenish , Albanian , Chinese , Japanese , Indonesian or Hausa


ركب تولبار القرآن الكريم 3.0

حماية الخصوصية جزى الله خيراً كل من ساهم او شارك أو صمم في هذا الموقع،  الحقوق متاحة لجميع المسلمين.. - علم القرآن الكريم  -  /2008 -  الي ما شاء الله  


قائمة التحكم

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

صفحة


إظهار صورة المصحف



خطوط القرآن