القرآن الكريم

 

القرآن للجوال

 

القرآن المجود

 

القرآن المرتل

 

البحث في القرآن

 

التفاسير

 

الاحاديث النبوية

 

البحث في الاحاديث

المنتديات أضف للمفضلة صفحة البداية أرسل لصديق إطبع الصفحة سجل ازوار إتصل بنا Bookmark and Share
 
 


  الرئيسية / 

تفسير الطبري صفحة المقدمة

 
معلومات الصفحة
إسم المؤلف : الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب أكبر كتابين في التفسير والتاريخ توفى عام 310هـ.
عدد الصفحات : 604 عدى المقدمة
آخر تحديث : الاحد 04,شوال,1431 الموافق Sun 12,Sep,2010

لقد تم تقسيم كل كتب التفسير الي 604 صفحة بعدد صفحات القرآن الكريم (طبعة الملك فهد رحمه الله).

 
 
السورة الآية
صفحة
المقــدمة
المقدمة 1 2 3 10 20 50 100 150 الأخيرة

تفسير الطبري


بسم الله الرحمن الرحيم
ابن جرير الطبري وتفسيره جامع البيان عن تأويل آي القرآن مولده وحياته : هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري ، وقيل : يزيد بن كثير بن غالب : مؤرخ ، مفسر ، محدث ، مقرئ ، فقيه ، أصولي ، من أكابر الائمة المجتهدين . ولد في آمل عاصمة أقليم طبرستان فنسب إليها ، وطبرستان تقع جنوبي بحر قزوين في أواخر سنة 224 أو أول سنة 225 ه‍ . ذكر أحمد بن كامل الشجري ( 1 ) أنه سأل الطبري : كيف وقع الشك في ذلك ؟ فقال : لان أهل بلدنا يؤرخون بالاحداث دون السنين ، فأرخ مولدي بحدث كان في البلد ، فلما نشأت سألت عن ذلك الحادث ، فاختلف المخبرون لي فقال بعضهم : كان ذلك في آخر سنة أربع ، وقال آخرون : بل كان في أول سنة خمس وعشرين ومائتين . تباشير علمه وفضله : حفظ القرآن وكتب الحديث وهو صغير . وروى الشجري عنه أنه حفظت القرآن ولي سبع سنين ، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين ، وكتبت الحديث وأنا ابن تسع سنين . وقال : رأى لي أبي في النوم أني بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكان معي مخلاة مملوءة حجارة ، وأنا أرمي بين يديه فقال له المعبر : إنه إن كبر نصح في دينه وذب عن شريعته ، فحوص أبي على معونتي في طلب العلم ، وأنا حينئذ صبي صغير . رحلاته العلمية : أول ما كتب ابن جرير الحديث بآمل ، ثم رحل إلى « الري » ( 2 ) وما جاورها ، فأخذ عن

( 1 ) قاض ، كان عالما بالاحكام والقرآن والادب والتاريخ ، ولي قضاء الكوفة ، وهو من أهل بغداد . توفي سنة 350 ه‍ .
( 2 ) مدينة قديمة في شمال إيران . فيها ولد هارون الرشيد.
مقدمة 1

محمد بن حميد الرازي ( 1 ) واختص به وأخذ مغازي ابن إسحاق عن سلمة بن المفضل وعليه بنى تاريخه ، وكتب عن أحمد بن حماد الدولابي ( 2 ) كتاب « المبتدأ » . قال أبو جعفر : « كنا نكتب عن محمد بن حميد الرازي ، فيخرج إلينا في الليل مرات ويسألنا عما كتبناه ويقرؤه علينا ، وكنا نمضي إلى أحمد بن حماد الدولابي ، وكان في قرية من قرى الري ، بينها وبين الري قطعة ، ثم نعود كالمجانين حتى نصير إلى محمد بن حميد ، فنلحق مجلسه . ثم رحل إلى بغداد ، وكان في نفسه ان يسمع من الامام أحمد بن حنبل ، ولكنه لم يكد يصل إليها ، حتى علم بوفاته ( سنة 241 ه‍ ) قبل دخوله بقليل ، فأقام بها مدة ، وكتب عن شيوخها ، ثم انتقل إلى البصرة ، فسمع من كان بقي من شيوخها في وقته ، كأبي بكر محمد بن بشار المعروف ببندار ( 3 ) ومحمد بن عبد الاعلى الصنعاني وبشر بن معاذ وغيرهم . ثم رحل إلى الكوفة فكتب فيها عن إسماعيل بن موسى الفزاري ( 4 ) وهناد بن السري الدارمي الكوفي ( 5 ) ، وأبي كريب محمد بن العلاء الهمذاني ( 6 ) وأخذ عن سليمان بن خلاد السامري ( 7 ) القراءات . وكان أبو كريب شرس الخلق ، ومحدث البصرة في عصره ، قال أبو جعفر الطبري : » حضرت باب داره مع أصحاب الحديث ، فاطلع من باب خوخة له ، وأصحاب الحديث يلتمسون الحديث ويضجون ، فقال : أيكم يحفظ ما كتب عني ؟ فالتفت بعضهم إلى بعض ، ثم نظروا إلي وقالوا : أنت تحفظ ما كتبت عنه ؟ فقلت : نعم ! فقالوا : هذا ، فسله ، فقلت : حدثتنا يوم كذا بكذا ، وفي يوم كذا بكذا « . قال الشجري : وأخذ أبو كريب في مسألته إلى أن عظم في نفسه ، فقال له : ادخل إلي ، فدخل إليه ، وعرف قدره على حداثته ، ومكنه من حديثه ، وكان الناس يسمعون منه ، فيقال : إنه سمع من أبي كريب أكثر من مائة ألف حديث » .

( 1 ) حافظ للحديث ، أخذ عنه كثير من الائمة كابن حنبل وابن ماجة والترمذي ، وكذبه آخرون .
( 2 ) من الرواة ، ذكره الطبري في تاريخه في أخبار السنة 11 ه‍ .
( 3 ) من حفاظ الحديث الثقات ، توفي سنة 252 ه‍ .
( 4 ) محدث ، خر له أبو داود والترمذي ، توفي سنة 245 ه‍ .
( 5 ) حافظ للحديث ، روى أصحاب الكتب الستة إلا البخاري . توفي سنة 243 ه‍ .
( 6 ) محدث ثقة توفي سنة 248 ه‍ .
( 7 ) نحوي ، مقرئ ، مات سنة 261 ه‍ .
مقدمة 2

ثم عاد الطبري إلى بغداد ودرس بها فقه الشافعي وعلوم القرآن . ومنها رحل إلى مصر سنة 253 ه‍ ، فلم تطل إقامته فيها ، وعاد إلى الشام ، ثم دخل مصر سنة 256 ه‍ ، وأخذ في الرحلتين عن جماعة من شيوخها منهم ، يونس بن عبد الاعلى ( 1 ) والربيع بن سليمان ( 2 ) وإسماعيل بن يحيى المزني ( 3 ) وغيرهم . واتفق أن جمعت الرحلة إلى مصر بين محمد بن جرير الطبري ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ( 4 ) ومحمد بن نصر المروزي ( 5 ) ومحمد بن هارون الروياني ( 6 ) ، قال الخطيب البغدادي : « فأرملوا ولم يبق عندهم ما يقوتهم ، وأضر بهم الجوع ، فاجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون إليه ، فاتفق رأيهم على أن يستهموا ويضربوا القرعة ، فمن خرجت عليه سأل لاصحابه الطعام ، فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة ، فقال لاصحابه : أمهلوني حتى أتوضأ وأصلي صلاة الخيرة . واندفع في الصلاة فإذا هم بالشموع ، وخصي من قبل والي مصر يدق الباب ، ففتحوا ، فنزل عن دابته ، وقال : أيكم محمد بن نصر ؟ فقيل : هو هذا ، فأخرج صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه ، ثم قال : أيكم محمد بن جرير ؟ فقالوا : هو ذا ، فأخرج صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه ، ثم قال : أيكم محمد بن هارون ؟ فقالوا : هو ذا ، فأخرج صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه ، ثم قال : أيكم محمد بن إسحاق بن خزيمة ؟ فقالوا : هو ذا يصلي ، فلما فرغ دفع إليه الصرة وفيها خمسون دينارا ، ثم قال : إن الامير كان قائلا بالامس ، فرأى في المنام خيالا ، قال : إن المحامد طووا كشحهم جياعا ، فأنفذ إليكم هذه الصرار ، وأقسم عليكم إذا نفذت فابعثوا إلي أمدكم » . وعاد أبو جعفر إلى بغداد بعد رحلة طويلة ، ومنها توجه إلى طبرستان ، ثم رجع إلى بغداد وانقطع للدرس والتأليف إلى أن مات يوم السبت بالعشي ، ودفن يوم الاحد بالغداة ، في داره لاربع بقين من شوال سنة عشر وثلاثمائة . وقيل : توفي في المغرب من عشية

( 1 ) محدث ، مقرئ ، من أكابر فقهاء الشافعية ، توفي سنة 264 ه‍ .
( 2 ) كان إماما ثقة صاحب حلقة بمصر ، وهو صاحب الشافعي وآخر من روى عنه بمصر . مات سنة 270 ه‍ .
( 3 ) صاحب الامام الشافعي ، وهو إمام الشافعيين ، توفي سنة 264 ه‍ .
( 4 ) عالم بالحديث ، كان إمام نيسابور في عصره ، مات سنة 311 ه‍ .
( 5 ) إمام أهل الحديث في عصره وأحد أئمة الاسلام مات سنة 294 ه‍ .
( 6 ) من حفاظ الحديث الثقات ، توفي سنة 307 ه‍ .
مقدمة 3

الاحد ليومين بقيا من شوال ، ودفن وقد أضحى النهار من يوم الاثنين في جوار داره برحبة يعقوب . قال الخطيب : واجتمع عليه من لا يحصيهم عددا إلا الله ، وصلى على قبره عدة شهور ليلا ونهارا ، ورثاه خلق كثير من أهل الدين والادب . مرتبته العلمية : قال مواطنه وكاتب سيرته عبد العزيز بن محمد الطبري : كان أبو جعفر قد نظر في المنطق والحساب والجبر والمقابلة وكثير من فنون الحساب وفي الطب ، وأخذ منه قسطا وافر يدل عليه كلامه في الوصايا . . . وكان كالقارئ الذي لا يعرف إلا القرآن ، وكالمحدث الذي لا يعرف إلا الحديث ، وكالفقيه الذي لايعرف إلا الفقه ، وكالحاسب الذي لا يعرف إلا الحساب وكان عالما بالعبادات ، جامعا للعلوم ، إذا جمعت بين كتبه وكتب غيره وجدت لكتبه فضلا على غيرها ( 1 ) .
قال الخطيب البغدادي : « كان أحد الائمة العلماء يحكم بقوله ، ويرجع إلى رأيه بمعرفته وفضله ، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره ، وكان حافظا لكتاب الله ، عارفا بالقراءات ، بصيرا بالمعاني ، فقيها في أحكام القرآن ، عالما بالسنن وطرقها ، وصحيحها وسقيمها ، وناسخها ومنسوخها ، عارفا فأقوال الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم من المخالفين في الاحكام ، ومسائل الحلال والحرام ، عارفا بأيام الناس وأخبارهم ، وله الكتاب المشهور في تاريخ الامم والملوك ، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله » . وقال أبو حامد الاسفراييني : « لو سافر رجل إلى الصين ، حتى يحصل له كتاب تفسير ابن جرير ، لم يكن ذلك كثيرا » . وقال أبو علي الاهوازي : « كان الطبري عالما بالفقه والحديث والتفسير والنحو واللغة والعروض ، له في جميع ذلك تصانيف فاق بها سائر المصنفين . . . » . وهذه الشهادة بين كثير مثلها كلها تجمع على فضله وتبريزه ، والاعجاب به ، وكتبه تغنيه عن شهادات الشهود وما بقي فيها يدل على أنه كان أفذاذ الموسوعيين في العالم وحسبنا من تواليفه تاريخه وتفسيره وقصة تأليفهما أدل منهما على عظمة فضله فقد أراد أن يخرج كل منهما في عشر أضعافه .

( 1 ) تاريخ بغداد ح‍ 2 / 163 .
مقدمة 4

الطبري المفسر علوم ثلاثة لا يذكر الطبري إلا مقرونا بها كلها : التفسير ، والتاريخ ، والفقه . وكتابه : ( جامع البيان عن تأويل آي القرآن ) كما سماه ، ألفه في أواخر القرن الثالث ، وذكر أنه أملاه على تلاميذه من سنة 283 - 290 ه‍ . وقد حوى ابن جرير جميع تراث التفسير الذي تفرق قبله في كتب صغيرة منذ عصر عبد الله بن عباس - وهو أبو التفسير بالمأثور كما يلقب - وإلى النصف الاول من القرن الثالث الهجري . وروى الخطيب البغدادي أن الطبري قال لاصحابه : أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا : كم يكون قدره ؟ قال : ثلاثون ألف ورقة ، فقالوا : هذا مما ينفي الاعمار قبل تمامه ، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة ؟ وكتاب التفسير هذا لم يصنف أحد مثله . قال أبو حامد الاسفراييني : لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيرا . وقال ابن خزيمة ، وقد نظر في تفسير الطبري : قد نظرت فيه من أوله إلى آخره ، وما أعلم على أديم الارض أعلم من محمد بن جرير ( 1 ) . مصادر : الطابع المميز لتفسير الطبري اعتماده على المأثور عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وعلى آراء الصحابة والتابعين . ثم أضاف إلى التفسير بالمأثور ما عرف في عصره من نحو ولغة وشعر ، كما رجع إلى القراءات وتخير منها ، ورجح ما تخيره ، استعان بكتب الفقه فعرض كثيرا من آراء الفقهاء في مناسباتها ، واستعان بكتب التاريخ . . . فنقل عن ابن إسحاق وغيره ( 2 ) .

( 1 ) التاريخ 1 / 45 .
( 2 ) تاريخ بغداد ح‍ 2 / 163 .
مقدمة 5

عرض بعض آراء المتكلمين وبخاصة المعتزلة . . . ولم يكثر لانه سلفي الصبغة تحري جهده أن تكون مصادره في التفسير موثوقا بها لذلك لم يدخل في كتابه شيئا عن الكلبي ، ولا مقاتل ، ولا الواقدي لانهم في نظره متهمون . . . منهجه : لما كان اعتماده على التفسير بالمأثور هو الطابع المميز لتفسيره لذلك :
1 - اتبع طريقة الاسناد في سلاسل الروايات ، لذا كان تفسيره سجلا لما اثر من آثر من آراء ، وغالبا ما يلخص الفكرة العامة . . . ويعقب عليها بذكر الروايات التي قد تختلف في التفصيل والايجاز .
2 - وتجنب التفسير بالرأي : وعقد فصلا في كتابه ، ذكر فيه بعض الاخبار التي رويت بالنهي عن القول بالتفسير بالرأي ، والتزم هذا الاسلوب في كتابه . . . حيث أنحى باللائمة على القول بالرأي ومما يزيد ذلك ما جاء في تفسيره : فالقائل في تأويل كتاب الله الذي لا يدرك علمه إلا ببيان من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذي جعل إليه بيانه ، قائل بما لا يعلم وإن وافق قيله ذلك في تأويله ما أراد الله به من معناه ، لان القائل فيه بغير علم ، قائل على الله ما لا علم له ( 1 )
3 - دقة الاسناد : كان رحمه الله أمينا دقيقا في ذكر السند وفي تسجيل اسماء الرواة ، لانه اتصل بكثير من العلماء وسمع منهم ، فإذا كان قد سمع هو وغيره قال : حدثنا . . . وإذا كان قد سمع وحده قال : حدثني . . . وإذا نسي واحدا من سلسلة الرواية صرح بنسيان اسمه ( 2 )
4 - الاستعانة بعلم اللغة : هذا وقد مكنه علمه باللغة وأساليب استعمالها أن يفضل معنى للكلمة على معنى آخر تحتمله ، ومن ذلك قوله تعالى : ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا ) يعني بالبروج القصور . . . وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : هي قصور في السماء ، لان ذلك كلام العرب . منه ( ولو كنتم في بروج مشيدة ) ومنها قول الاخطل :

( 1 ) تفسير الطبري 1 / 27 .
( 2 ) الطبري للدكتور الخوفي 1 / 27 ، من سلسلة اعلام العرب رقم 13 . هكذا هو الاسم العلمي لتفسير الطبري كما سماه مؤلفه.
مقدمة 6

كأنها برج رومي يشيده * بان بجص وآجر وأحجار ( 1 )
5 - الاكثار من الاحاديث النبوية : وكان يكثر من الاحاديث النبوية ، لانه درس الحديث على كبار المحدثين في عصره ، وفي مقدمتهم علماء طبرستان .
6 - الاستشهاد بالشعر : وكثيرا ما اعتمد على الشعر في بيان المراد من الكلمة ، تارة يذكر اسم الشاعر وأخرى يغفله مكتفيا بالشعر .
7 - تسجيل القراءات : عرض وجوه القراءات ورجح ما ارتضاه لانه كان عالما بالقراءات ومؤلفها فيها . . وله أيضا عناية بتفصيل مذاهب النحاة في كثير من المواضع ليجلو المعنى . . .
8 - مناقشة الآراء الفقهية : للطبري كتاب اختلاف الفقهاء . . . فهو فقهي دارس للمذاهب كلها ، بل مجتهد صاحب مذهب اختاره لنفسه . . . ومن البداهة أن يعرض للآراء الفقهية ويناقشها في مناسباتها من آيات الاحكام . . . وينتهي في مناقشة كل منها إلى ما يستصوبه . . . وكان يعرض لآراء المتكلمين ويسميهم أهل الجدل ويناقشها ويصوب الرأي السلفي الذي يدين به . والادلاء برأيه بعد المناقشة سمة ظاهرة في تفسيره . . . فكان يرفض ويعلل لرفضه وكان يرجح ويدلل على ترجيحه . . . وكان يؤيد ويبرهن على تأييده .
9 - وإذا كان تفسير ابن جرير من أجل التفاسير ، بالمأثور وأعظمها قدرا ، فلم سمى كتابه جامع البيان عن تأويل أي القرآن ؟ ! ولم يستعمل كلمة تفسير بدل تأويل ؟ ! والجواب أن التأويل الذي يريده الطبري هو التفسير كما يتضح من خصائص تفسيره ، فاللفظان التفسير والتأويل مترادفين عنده ، وهما بمعنى الكشف عن ألفاظ القرآن والتوضيح لمعانيه ومراميه . فالتفسير لغة : كشف المراد عن اللفظ المشكل وأصله من الفسر ، وقيل هو مقلوب : السفر ، تقول : أسفر الصبح ، إذا أضاء . والتأويل من الايالة ، وهي السياسة ، كأن المؤول للكلام ، ساس الكلام ، ووضع

( 1 ) التفسير 19 / 19 .
مقدمة 7

وقيل : التفسير أعم من التأويل . فالتفسير بيان العبارة القرآنية من مفردات وجمل بيانا كاشفا لحقيقة المعنى على حسب المتعارف عليه من أساليب العرب في كلامهم وخطابهم إما حقيقة وإما مجازا ، سواء كان المعنى متبادرا بالاستعمال ، كالتفسير الصراط ، أو غير متبادر كتفسير ( اخفهيما ) في قوله : ( اكاد اخفيها ) بمعنى اظهرها . والتأويل اجتهاد المفسر في ترجيح المقصود من المعاني المختلفة التي يحتملها اللفظ فكأن التأويل : اخبار عن حقيقة المراد كقوله تعالى : ( إن ربك لبالمرصاد ) ، إن تأويله التحذير من التهاون بأمر الله أو الوعيد ( لمن يخالف أمر الله ) بينما تفسير : ( لبالمرصاد ) أنه من ارصد ، يقال : أرصدته أي رقبته ، والمرصاد مفعال . . .
10 - بالجملة : فالطبري رأس المفسرين على الاطلاق ، وانه جمع في تفسيره بين الرواية والدراية ولم يشاركه في ذلك أحد قبله ولا بعده ( 1 ) . وإذا كان يؤخذ عليه أنه يذكر سلاسل الروايات من غير بيان وتمييز لصحيح هذه الروايات من ضعيفها فلانه على ما يظهر أنه من المؤلفين الذي يرون أن ذكر السند يخلي المؤلف من المؤاخذة والتبعة ولو لم ينص على درجة الرواية .
وفاته : توفي سنة عشر وثلاث مائة وووري في قبره يوم الاحد وقت الظهر لسبع بقين من شوال رحمه الله ( 2 ) كثرة تآليفه : قال أبو محمد عبد الله بن أحمد الفرغاني صاحب ابن جرير : إن قوما من تلامذة ابن جرير حسبوا له منذ بلغ الحلم إلى أن مات ثم قسموا على تلك المدة أورق مصنفاته فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة ( 3 ) . ليس غريبا على إمام جليل ، مثل الامام الطبري أن يغرز انتاجه ، وان تكون وفرة هذا الانتاج ، على الاخص ، في العلوم الاسلامية . وفيما يلي أسماء بعض مصنفاته : ومؤلفاته : كما وردت في مصادر ترجمته :
1 - آداب المناسك ( ابن عساكر 8 : 352 ) .
2 - آداب النفوس ( ياقوت 17 : 18 ) .

( 1 ) طبقات المفسرين 30 .
( 2 ) طبقات القراء ح‍ 2 / 108 .
( 3 ) امير ما وراء النهر ، وكان مقر الامارة السامانية في بخارى ، ولي الحكم سنة 350 وتوفي سنة 366 ه‍ .
مقدمة 8

3 - اختلاف علماء الامصار ( طبع ) .
4 - أحاديث غدير خم ( ياقوت 18 ) .
5 - البصير ( أو التبصير ) في علوم الدين .
6 - تهذيب الآثار وتفصيل الثابت من الاخبار .
7 - تاريخ الامم والملوك .
8 - الجامع في القراءات .
9 - ذيل المذيل .
10 - صريح السنة .
11 - كتاب العدد والتنزيل .
12 - كتاب الفضائل .
13 - مختصر الفرائض .
14 - المسند المجرد .
15 - لطيف القول في أحكام شرائع الاسلام .
16 ( عبارة الرؤيا ) لم يتمه .
17 - وهذا الكتاب الذي نقدم له جامع البيان عن تأويل آي القرآن .

خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي وعليه اعتمادي رب يسر . قرئ على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ، في سنة ست وثلاثمائة قال : الحمد لله الذي حجبت الالباب بدائع حكمه ، وخصت العقول لطائف حججه ، وقطعت عذر الملحدين عجائب صنعه ، وهتف في أسماع العالمين ألسن أداته ، شاهدة أنه الله الذي لا إله إلا هو ، الذي لا عدل ( 1 ) له معادل ، ولا مثل له مماثل ، ولا شريك له مظاهر ، ولا ولد له ولا والد ، ولم يكن له صاحبة ولا كفوا أحد . وأنه الجبار الذي خضعت لجبروته الجبابرة ، والعزيز الذي ذلت لعرته الملوك الاعزة ، وخشعت لمهابة سطوته ذوو المهابة ، وأذعن له جميع الخلق بالطاعة ، طوعا وكرها ، كما قال الله عز وجل : ( ولله يسجد من في السموات والارض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ) ( 2 ) . فكل موجود إلى وحدانيته داع ، وكل محسوس إلى ربوبيته هاد ، بما وسمهم به من آثار الصنعة ، من نقص وزيادة ، وعجز وحاجة ، وتصرف في عاهات عارضة ، ومقارنة أحداث لازمة ، لتكون له الحجة البالغة . ثم أردف ما شهدت به من ذلك أدلته ، وأكد ما استنارت في القلوب منه بهجته ، برسل ابتعثهم إلى من يشاء من عباده ، دعاة إلى ما اتضحت لديهم صحته ، وثبتت في العقول حجته ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) ( 3 ) ليذكر أولو النهى والحلم ، فأمدهم بعونه ، وأبانهم من سائر خلقه ، بما دل به على صدقهم من الادلة ، وأيدهم به من الحجج البالغة ، والآي المعجزة ، لئلا يقول القائل فيهم ( ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ) ( 4 ) .
مقدمة 9

( 1 ) العدل ( بكسر العين وفتحها وسكون الدال ) : النظير والمثيل .
( 2 ) سورة الرعد ، الآية : 15 .
( 3 ) سورة النساء ، الآية : 165 .
( 4 ) سورة المؤمنون ، الآيتان : 33 و 34 .

فجعلهم سفراء بينه وبين خلقه ، وأمناء على وحيه ، واختصهم بفضله ، واصطفاهم برسالته . ثم جلعهم فيما خصهم به من مواهبه ، ومن به عليهم من كراماتة ، مراتب مختلفة ، ومنازل مفترقة ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، متفاضلات متباينات ، فكرم بعضهم بالتكليم ( 1 ) والنجوى ، وأيد بعضهم بروح القدس ، وخصه بإحياء الموتى ، وإبراء أولي العاهة والعمى ( 2 ) . وفضل نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) من الدرجات بالعليا ، ومن المراتب بالعظمى ، فحباه من أقسام ( 3 ) كرامته بالقسم الافضل ، وخصة من درجات النبوة بالحظ الاجزل ، ومن الاتباع والاصحاب بالنصيب الافر . وابتعثه بالدعوة التامة ، والرسالة العامة ، وحاطه وحيدا ، وعصمه فريدا ، من كل جبار عاند ( 4 ) ، وكل شيطان مارد ( 5 ) ، حتى أظهر به الدين ، وأوضح به السبيل ، وأنهج به معالم الحق ، ومحق به منار الشرك ، وزهق به الباطل ، واضمحل به الضلال وخدع الشيطان ، وعبادة الاصنام ، والاثان . مؤيدا بدلالة على الايام باقية ، وعلى الدهور والازمان ثابتة ، وعلى ممر الشهور والسنين دائمة ، ويزداد ضياؤها على كر الدهور إشراقا ، وعلى مر الليالي والايام ائتلاقا ، تخصيصا من الله له بها ، دون سائر رسله ، الذين قهرتهم الجبابرة ، واستذلتهم ( 8 ) الامم الفاجرة ، فعفت بعدهم منهم الآثار ، وأخملت ذكرهم الليالي والايام ، ودون من كان منهم مرسلا إلى أمة دون أمة ، وخاصة دون عامة ، وجماعة دون كافة . فالحمد لله الذي كرمنا بتصديقه ، وشرفنا باتباعه ، وجعلنا من أهل الاقرار والايمان به وبما دعا إليه وجاء به ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أزكى صلواته ، وأفضل سلامه ، وأتم تحياته . أما بعد ، فإن من جسيم ما خص الله به أمة نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) من الفضيلة ، وشرفهم به
مقدمة 10

( 1 ) يعني كليم الله موسى عليه السلام .
( 2 ) يعني المسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام .
( 3 ) الاقسام : جمع قسم ، وهو الحظ والنصيب من الخير .
( 4 ) الجبار العنيد والعاند : الجائر والمائل عن طريق الحق المجاوز حده .
( 5 ) المارد : الذي مرن على الشر حتى بلغ الغاية .
( 6 ) في نسخة وأبهج بدل وأنهج .
( 7 ) في نسخة قهر بهم بدل قهرتم .
( 8 ) في نسخة استذل بهم بدل استذلهم .

على سائر الامم من المنازل الرفيعة ، وحباهم به من الكرامة السنية ، حفظه ما حفظ جل ذكره وتقدست أسماؤه عليهم من وحيه وتنزيله ، الذي جعله على حقيقة نبوة نبيهم ( صلى الله عليه وسلم ) دلالة ، وعلى ما خصه به من الكرامة علامة واضحة وحجة بالغة ، أبانه به من كل كاذب ومفتر ، وفصل به بينهم وبين كل جاحد وملحد ، وفرق به بينهم وبين كل كافر ومشرك ، الذي لو اجتمع جميع من بين أقطارها ، من جنها وإنسها ، وصغيرها وكبيرها ، على أن يأتوا بسورة من مثله ، لم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ( 1 ) . فجعله لهم في دجى الظلم نورا ساطعا ، وفي سدف ( 2 ) الشبه شهابا لامعا ، وفي معضلة المسالك دليلا هاديا ، وإلى سبل النجاة والحق حاديا ( يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) ( 3 ) . حرسه بعين منه لا تنام ، وحاطه بركن منه لا يضام ، لاتهي ( 4 ) على الايام دعائمه ، ولا تبيد على طول الازمان معالمه ، ولا يجور عن قصد المحجة ( 5 ) تابعة ، ولا يضل عن سبل الهدى مصاحبه . من اتبعه فاز وهدى ، ومن حاد عنه ضل وغوى . فهو موئلهم الذي عند الاختلاف يئلون ( 6 ) ، ومعقلهم الذي إليه في النوازل يعتقلون ( 7 ) ، وحصنهم الذي به من وساوس الشيطان يتحصنون ، وحكمة ربهم التي إليها يحتكمون ، وفصل قضائه بينهم الذي إليه ينتهون ، وعن الرضا به يصدرون ، وحبله الذي بالتمسك به من الهلكة يعتصمون . اللهم فوفقنا لاصابة صواب القول ، في محكمه ومتشابهه ، وحلاله وحرامه ، وعامه وخاصه ، ومجمله ومفسره ، وناسخه ومنسوخه ، وظاهره وباطنه ، وتأويل آيه ، وتفسير مشكله . وألهمنا التمسك به ، والاعتصام بمحكمه ، والثبات على التسليم لمتشابهه ، وأوزعنا الشكر على ما أنعمت به علينا ، من حفظه والعلم بحدوده ، إنك سميع الدعاء ، قريب الاجابة ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ، وسلم تسليما كثيرا .
مقدمة 11

( 1 ) تضمين لمعنى لما ورد في سورة البقرة الآية 23 ، ويونس الآية 38 ، والاسراء الآية 88 .
( 2 ) السدف : الظلمة .
( 3 ) سورة المائدة ، الآية : 16 .
( 4 ) يقال : وهى الحائط وغيره يهي وهيا ووهيا : تشقق وهم بالسقوط ( المعجم الوسيط 1016 ) .
( 5 ) المحجة : الطريق .
( 6 ) وأل يئل وألا ووؤولا : لجأ طلبا للنجاة . الموئل : الملجأ والمنجى .
( 7 ) لم أجد هذا الاشتقاق « يعتقلون » . ولعلها تصحيف : « يعقلون » من عقل إليه عقلا وعقولا : لجأ إليه وامتنع به .

اعلموا عباد الله ، رحمكم الله ، أن أحق ما صرفت إلى علمه العناية ، وبلغت في معرفته الغاية ، ما كان لله في العلم به رضا ، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى ، وأن أجمع ذلك لباغيه ، كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد . ونحن - في شرح تأويله ، وبيان ما فيه من معانيه - منشؤون - إن شاء الله ذلك - كتابا مستوعبا لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه جامعا ، ومن سائر الكتب غيره في ذلك كافيا ، ومخبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة ، فيما اتفقت عليه الامة ، واختلافها فيما اختلفت فيه منه ، مبينو ( 1 ) علل كل مذهب من مذاهبهم ، وموضحو الصحيح لدينا من ذلك ، بأوجز ما أمكن من الايجاز في ذلك ، وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه . والله نسأل عونه وتوفيقه ، لما يقرب من محابه ، ويبعد من مساخطه ، وصلى الله على صفوته من خلقه ، وعلى آله ، وسلم تسليما كثيرا . وإن أول ما نبدأ به من القيل في ذلك ، الابانة عن الاسباب التي البداية بها أولى ، وتقديمها قبل ما عداها أحرى ، وذلك البيان عما في آي القرآن من المعاني ، التي من قبلها يدخل اللبس على من لم يعان رياضة العلوم العربية ، ولم تستحكم معرفته بتصاريف وجوه منطق الالسن السليقية الطبيعية . القول في البيان عن اتفاق معاني آي القرآن ومعاني منطق من نزل بلسانه من وجه البيان . والدلالة على أن ذلك من الله عز وجل وهو الحكمة البالغة ، مع الابانة عن فضل المعنى الذي به باين القرآن سائر الكلام . قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله : إن من عظيم نعم الله عباده ، وجسيم مننه على خلقه ، ما منحهم من فضل البيان ، الذي به عن ضمائر صدروهم يبينون ، وبه على عزائم نفوسهم يدلون ، فذلل ( 2 ) به منهم
مقدمة 12

( 1 ) في نسخة ومثبتو بدل ومبينو .
( 2 ) ذلل الشئ : لينه وسهله .

الالسن ، وسهل به عليهم المستصعب . فيه إياه يوحدون ، وإياه به يسبحون ويقدسون ، وإلى حاجاتهم به يتوصلون ، وبه بينهم يتحاورون ، فيتعارفون ويتعاملون . ثم جعلهم - جل ذكره - فيما منحهم نم ذلك طبقات ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، فبين خطيب مسهب ، وذلق اللسان مهذب ( 1 ) ، ومفحم عن نفسه لا يبين ، وعي عن ضمير قلبه لا يعبر ، وجعل أعلاهم فيه رتبة ، وأرفعهم فيه درجة ، أبلغهم فيما أراد به بلاغا ، وأبينهم عن نفسه به بيانا . ثم عرفهم في تنزيله ومحكم آي كتابه فضل ما حباهم به من البيان ، على من فضلهم به عليه من ذي البكم والمستعجم ( 2 ) اللسان ، فقال تعالى ذكره : ( أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ) ( 3 ) . فقد وضح إذا لذوي الافهام ، وتبين لاولي الالباب ، أن فضل أهل البيان على أهل البكم والمستعجم اللسان ، بفضل اقتدار هذا من نفسه على إبانة ما أراد إبانته عن نفسه ببيانه ، واستعجام لسان هذا عما حاول إبانته ، فإذا كن ذلك كذلك ، وكان المعنى الذي به باين الفاضل المفضول في ذلك ، فصار به فاضلا والآخر مفضولا ، وهو ما وصفناه به من فضل إبانة ذي البيان عما قصر عنه المستعجم اللسان ، وكان ذلك مختلف الاقدار ، متفاوت الغايات والنهايات ، ولا شك أن أعلى منازل البيان درجة ، وأسنى مراتبه مرتبة ، أبلغه في حاجة المبين عن نفسه ، وأبينه عن مراد قائله ، وأقربه من فهم سامعه . فإن تجاوز ذلك المقدار ، ارتفع عن وسع الانام ، وعجز عن يأتي بمثله جميع العباد ، وكان حجة وعلما لرسل الواحد القهار ، وكما كان حجة وعلما لها إحياء الموتى وإبراء الابرص وذوي العمى ، بارتفاع ذلك عن مقادير ( 4 ) أعلى منازل طب المتطببين ، وأرف مراتب علاج المعالجين ، إلى ما يعجز عنه جميع العالمين . وكالذي كان لها حجة وعلما قطع مسافة شهرين في الليلة الواحدة ، بارتفاع ذلك عن وسع الانام ، وتعذر مثله على جميع العباد ، وإن كانوا على قطع القليل من المسافة قادرين ، ولليسير منه فاعلين .
مقدمة 13

( 1 ) الاسهاب : الاكثار في الكلام . وقوله « مهذب » : من أهذب الطائر في طيرانه والفرس في عدوه والمتكلم في كلامه : أسرع وتابع .
( 2 ) المستعجم والاعجم : الذي لا يقدر على الكلام .
( 3 ) سورة الزخرف ، الآية : 18
( 4 ) المقادير : جمع مقدار ، وهو القوة .

فإذا كان ما وصفنا من ذلك كالذي وصفنا ، فبين أن لا بيان أبين ، ولا حكمة أبلغ ، ولا منطق أعلى ، ولا كلام أشرف من بيان ومنطق تحدى به امرؤ قوما في زمان هم فيه رؤساء صناعة الخطب والبلاغة وقيل الشعر والفصاحة والسجع والكهانة ( على ) ( 1 ) كل خطيب منهم وبليغ وشاعر منهم وفصيح وكل ذي سجع وكهانة فسفه أحلامهم وقصر معقولهم ( 2 ) وتبرأ من دينهم ودعا إلى اتباعه والقبول منه والتصديق به والاقرار بأنه رسول إليهم من ربهم . وأخبرهم أن دلالته على صدق مقالته وحجته على معانيه معاني منطقهم . ثم أنبأ جميعهم أنهم عن أن يأتوا بمثل بعضه عجزة ومن القدرة عليه نقصة . فأقر جميعهم بالعجز وأذعنوا له بالتصديق وشهدوا على أنفسهم بالنقص إلا من تجاهل منهم وتعامى واستكبر وتعاشى فحاول تكلف ما قد علم أنه عنه عاجز ورام ما قد تيقن أنه عليه غير قادر . فأبدى من ضعف عقله ما كان مستورا ومن عي لسانه ما كان مصونا فأتى بما لا يعجز عنه الضعيف الاخرق والجاهل الاحمق فقال : « والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا فاخابزات خبزا والثاردات ثردا واللاقمات لقما ! ! » ( 3 ) ونحو ذلك من الحماقات الشبهة دعواه الكاذبة . فإن كان ذلك كذلك وكان غير مبين منا عن نفسه من خاطب غيره بما لا يفهمه عنه المخاطب كان معلوما أنه غير جائز أن يخاطب - جل ذكره - أحدا من خلقه إلا بما يفهمه المخاطب ولا يرسل إلى أحد منهم رسولا برسالة إلا بلسان وبيان يفهمه المرسل إليه لان المخاطب والمرسل إليه إن لم يفهم ما خوطب به وأرسل به إليه فحاله قبل الخطاب وقبل مجئ الرسالة إليه وبعده سواء إذ لم يفده الخطاب والرسالة شيئا كان به قبل ذلك جاهلا . والله - جل ذكره - يتعالى عن أن يخاطب خطابا أو يرسل رسالة لا توجب فائدة لمن
مقدمة 14

( 1 ) ما بين مربعين زيادة لايضاح المراد ليستقيم المعنى .
( 2 ) في نسخة : بعقولهم . ومعقولهم مصدر بمعنى عقل .
( 3 ) ينسب إلى مسيلمة الكذاب . وذكر ذلك الطبري وغيره في تواريخهم .

خوطب أو أرسلت إليه لان ذلك فينا من فعل أهل النقص والعبث والله تعالى عن ذلك متعال لذلك قال جل ثناؤه في محكم تنزيله ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) ( 1 ) وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) ( 2 ) . فغير جائز أن يكون به مهتديا من كان بها يهدي إليه جاهلا . فقد تبين إذا بما عليه دللنا من الدلالة أن يكون رسول الله جل ثناؤه أرسله إلى قوم فإنما أرسله بلسان من أرسله إليه وكل كتاب أنزله على نبي ورسالة أرسلها إلى أمة فإنمام أنزله بلسان من أنزله أو أرسله إليه . واتضح بما قلنا ووصفنا أن كتاب الله الذي أنزله إلى نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) بلسان محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . وإذ كان لسان محمد ( صلى الله عليه وسلم ) عربيا فبين أن القرآن عربي وبذلك أيضا نطق محكم تنزيل ربنا فقال جل ذكره : ( إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) ( 3 ) وقال : ( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ) ( 4 ) . وإذا كانت واضحة صحة ما قلنا بما عليه استشهدنا من الشواهد ودللنا عليه من الدلائل فالواجب أن تكون معاني كتاب الله المنزل على نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لمعاني كلام العرب موافقة وظاهره لظاهر كلامها ملائما وإن باينه كتاب الله بالفضيلة التي فضل بها سائر الكلام والبيان بما قد تقدم وصفنا . فإذا كان ذلك كذلك فبين - إذ كان موجودا في كلام العرب والايجاز والاختصار والاجتزاء بالاختفاء من الاظهار وبالقلة من الاكثار في بعض الاحوال واستعمال الاطالة والاكثار والترداد والتكرار وإظهار المعاني بالاسماء دون الكناية عنها والاسرار في بعض الاوقات والخبر عن الخاص في المراد بالعام الظاهر وعن العدم في المراد بالخاص الظاهر وعن الكناية والمراد منه المصرح وعن الصفة والمراد الموصوف وعن الموصوف والمراد الصفة وتقديم ما هو في المعنى مؤخر وتأخير ما هو في المعنى مقدم والاكتفاء ببعض من بعض وبما يظهر عما يحذف وإظهار ما حظه الحذف - أن يكون ما في كتاب الله المنزل على نبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) من ذلك في كل ذلك له نظيرا وله مثلا وشبيها ونحن مبينو جميع ذلك في أماكنه إن شاء الله
مقدمة 15

( 1 ) سورة إبراهيم ، الآية : 4
( 2 ) سورة النحل ، الآية : 64 .
( 3 ) سورة يوسف ، الآية : 2 .
( 4 ) سورة الشعراء ، الآيات : 192 - 195 .

القول في بيان عن الاحرف التي اتفقت فيها ألفاظ العرب وألفاظ غيرها من بعض أجناس الامم قال أبو جعفر : إن سألنا سائل فقال : إنك ذكرت أنه غير جائز أن يخاطب الله أحدا من خلقه إلا بما يفهمه وأن يرسل إليه رساله إلا بللسان الذي يفقهه فما أنت قائل فيما : 1 - حدثكم به محمد بن حميد الرازي قال : حدثنا حكام بن سلم قال : حدثنا عنبسة عن أبي إسحاق عن أبي الاحوص عن أبي موسى : ( يؤتكم كفلين من رحمته ) ( 1 ) قال : الكفلان : الضعفان من الاجر بلسان الحبشة . وفيما : 2 - حدثكم به ابن حميد قال : حكام عن عنبسة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : ( إن ناشئة الليل ) ( 2 ) قال : بلسان الحبشة إذا قام الرجل من الليل قالوا : نشأ . وفيما : 3 - حدثكم به ابن حميد قال : حدثنا حكام قال : حدثنا عنبسة عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة : ( يا جبال أوبي معه ) ( 3 ) قال : سبحي بلسان الحبشة . قال أبو جعفر : وكل ما قلنا في هذا الكتاب « حدثكم » فقد حدثونا به وفيما : 4 - حدثكم به محمد بن خالد بن خداش الازدي قال : حدثنا سلم بن قتادة قال : حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله : ( فرت من فسورة ) . ( 4 ) قال : هو بالعربية : الاسد وبالفارسية : شار وبالنبطية : أريا وبالحبشية : قسورة . وفيما : 5 - حدثكم به ابن حميد ، قال حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال قالت قريش : لولا أنزل هذا القرآن أعجميا وعربيا ! فأنزل الله تعالى وذكره : ( ولو جعلناه قرآنا أعجميا قالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ) ( 5 ) فانزل الله بعد هذه في القران بكل لسان فيه : ( حجارة من
مقدمة 16

( 1 ) سورة الحديد ، الآية : 28 .
( 2 ) سورة المزمل ، الآية :
( 3 ) سورة سبأ ، الآية : 10
( 4 ) سروة المدثر الآية : 51
( 5 ) سورة فصلت آية : 44

سجيل
) ( 1 ) قال : فارسية أعربت « سنك وكل » . وفيما : 6 - حدثكم به محمد بن بشار قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال : في القرآن من كل لسان . وفيما أشبه ذلك من الاخبار التي يطول بذكرها الكتاب مما يدل على أن فيه من غير لسان ؟ ؟ قيل له : إن الذي قالوه من ذلك غير خارج من معنى ما قلنا من أجل أنهم لم يقولوا هذه الاحرف وما أشبهها لم تكن للعرب كلاما ، ولا كان ذاك لها منطقا قبل نزول القرآن ، ولا كانت بها العرب عارفة قبل مجئ الفرقان فيكون ذلك قولا لقولنا خلافا ( 2 ) . وإنما قال بعضهم : حرف كذا بلسان الحبشة معناه كذا وحرف كذا بلسان العجم معنا كذا ولم يستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الامم الختلفة الالسن بمعنى واحد فكيف بجنسين منها . كما قد وجدنا اتفاق كثير منه فيما قد علمناه من الالسن المختلفة وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقرطاس وغير ذلك مما يتعب إحصاؤه ويمل تعداده كرهنا إطالة الكتاب بذكره مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللفظ والمعنى . ولعل ذلك كذلك في سائر الالسن التي يجهل منطقها ولا يعرف كلامها . فلو أن قائلا قال فيما ذكرنا من الاشياء التي عددنا وأخبرنا اتفاقه في اللفظ والمعنى بالفارسية والعربية وما أشبه ذلك مما سكتنا عن ذكره ذلك كله فارسي لا عربي أو ذلك كله عربي لا فارسي أو قال : بعضه عربي وبعضه فارسي أو قال : كان مخرج أصله من عند العرب فوقع إلى العجم فنطقوا به أو قال : كان مخرج أصله من عند الفرس فوقع إلى العرب فأعربته كان مستجهلا ( 3 ) لان العرب ليست بأولى أن تكون كان مخرج أصل ذلك منها إلى العجم ولا العجم بأحق أن تكون كان مخرج أصل ذلك منها إلى العرب إذ كان استعمال ذلك بلفظ واحد ومعنى واحد موجودا في الجنسين وإن كان ذلك موجودا على ما وصفنا في الجنسين فليس أحد الجنسين أولى بأن يكون أصل ذلك كان من عنده من الجنس الآخر والمدعي أن مخرج أصل ذلك إنما كان من أحد الجنسين إلى الآخر مدع أمر لا يوصل إلى حقيقة صحته إلا بخبر يوجب العلم ويزيل الشك ويقطع العذر صحته .
مقدمة 17

( 1 ) سورة هود ، الآية : 82 ، وسورة الحجر ، الآية : 74 .
( 2 ) أي مخالفا .
( 3 ) قوله : « كان مستجهلا » جواب قوله : « فلو أن قائلا قال . . . الخ » .

بل الصواب في ذلك عندنا أن يسمى عربيا أعجميا أو حبشيا عربيا إذ كانت الامتان له مستعملتين في بيانها ومنطقها وبيانها فليس غير ذلك من كلام كل أمة منهما بأولى أن يكون إليها منسوبا منه . فكذلك سبيل كل كلمة واسم اتفقت ألفاظ أجناس أمم فيها معناها ، ووجد ذلك مستعملا في كل جنس منها استعمال سائر منطقهم ، فسبيل إضافته إلى كل جنس منها سبيل ما وصفناه من الدرهم والدينار والدواة والقلم ، التي اتفقت ألسن الفرس والعرب فيها بالالفاظ الواحدة والمعنى الواحد في أنه مستحق إضافته إلى كل جنس من تلك الاجناس باجتماع وافتراق . وذلك هو معنى من روينا عنه القول في الاحرف التي مضت في صدر هذا الباب من نسبة بعضهم بعض ذلك إلى لسان الحبشه ونسبة بعضهم ذلك إلى لسان الفرس ، ونسبة بعضهم بعض ذلك إلى لسان الروم ، لان من نسب شيئا من ذلك إلى ما نسبه إليهم لم ينف بنسبته إياه ما نسبه إليه أن يكون عربيا ، ولا من قال منهم هو عربي نفى ذلك أن يكون مستحقا النسبة إلى من هو من كلامه من سائر أجناس الامم غيرها . وإنما يكون الاثبات دليلا على النفي فيما لا يجوز اجتماعه من المعاني كقول القائل : فلان قائم فيكون بذلك من قوله دالا على أنه غير قاعد ونحو ذلك مما يمتنع اجتماعه لتنافيهما . فأما ما جاز اجتماعه فهو خارج من هذا المعنى وذلك كقول القائل : فلان قائم مكلم فلانا ، فليس في تثبيت القيام له مادل على نفي كلام آخر لجواز اجتماع ذلك في حال واحد من شخص واحد فقائل ذلك صادق إذا كان صاحبه على ما وصفه به . فكذلك ما قلنا - في الاحرف التي ذكرنا وما أشبهها - غير مستحيل أن يكون عربيا بعضها أعجميا وحبشيا بعضها عربيا إذ كان موجودا استعمال ذلك في كلتا الامتين فناسب ما نسب من ذلك إلى إحدى الامتين أو كلتيهما محق غير مبطل . فإن ظن ذو غباء أن اجتماع ذلك في كلام مستحيل كما هو مستحيل في أنساب بني آدم فقد ظن جهلا وذلك أن أنساب بني آدم محصورة على أحد الطرفين دون الآخر ، لقوله الله تعالى ذكره : ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ) ( 1 ) وليس ذلك كذلك في المنطق والبيان لان المنطق إنما هو منسوب إلى من كان به معروفا استعماله . فلو عرف استعمال بعض الكلام في أجناس من الامم - جنسين أو أكثر - بلفظ واحد ، ومعنى واحد كان ذلك منسوبا إلى كل جنس من تلك الاجناس لا يستحق جنس منها أن يكون به أولى من سائر الاجناس غيره . كما لو أن أرضا بين سهل وجبل لها هواء السهل وهواء الجبل أو بين بر وبحر لها هواء البر وهواء البحر لم يمتنع ذو عقل صحيح أن يصفها بأنها سهلية جبلية أو بأنها برية بحرية إذ لم تكن نسبتها إلى إحدى صفتيها نافية حقها من النسبة إلى الاخرى . ولو أفرد لها مفرد إحدى صفتيها ولم يسلبها صفتها الاخرى كان صادقا محقا ، وكذلك القول في الاحرف التي تقدم ذكرنا لها أول الباب . وهذا المعنى الذي قلنا في ذلك هو معنى قول من قال : في القرآن من كل لسان عندنا . بمعنى - والله أعلم - أن فيه من كل لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الامم التي تنطق به نظير ما وصفنا من القول فيما مضى ، وذلك أنه غير جائز أن يتوهم على ذي فطرة صحيحة مقر بكتاب الله ، ممن قد قرأ القرآن وعرف حدود الله أن يعتقد أن بعض القرآن فارسي لا عربي وبعضه نبطي لا عربي وبعضه عربي لا فارسي وبعضه حبشي لا عربي بعد ما أخبر الله تعالى ذكره عنه أنه جعله قرآنا عربيا لان ذلك إن كان كذلك فليس قول القائل القرآن حبشي أو فارسي ولا نسبة من نسبه إلى بعض ألسن الامم التي بعضه بلسانه دون العرب بأولى بالتطول من قول القائل هو عربي ولا قول القائل هو عربي بأولى بالصحة والصواب من قول ناسبه إلى بعض الاجناس التي ذكرناها إذ كان الذي بلسان غير العرب من سائر ألسن أجناس الامم فيه نظير الذي فيه من لسان العرب . وإذا كان ذلك كذلك إذا خطأ قول من زعم أن القائل من السلف : في القرآن من كل لسان إنما عنى بقيله ذلك أن فيه من البيان ما ليس بعربي ولا جائزة نسبته إلى لسان العرب ويقال لمن أبى ما قلنا ممن زعم أن الاحرف التي قدمنا ذكرها في أول الباب وما أشبهها إنما هي كلام أجناس الامم سوى العرب وقعت إلى العرب فعربته : وما برهانك على صحة ما قلت في ذلك من الوجه الذي يجب التسليم له ؟ فقد علمت من خالفك في ذلك فقال فيه خلاف قولك وما الفرق بينك وبين من عارضك في ذلك فقال : هذه الاحرف وما إشبهها من الاحرف غيرها أصلها عربي غير أنها وقعت إلى سائر أجناس الامم غيرها فنطقت كل أمة منها ببعض ذلك بألسنتها من الوجه الذي يجب التسليم له ؟ فلن يقول في شئ من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله .
فان اعتل في ذلك بأقوال السلف التي ذكرنا بعضها وما أشبهها طولب - مطالبتنا من تأول عليهم في ذلك تأويله - بالذي قد تقدم في بياننا . وقيل له : ما أنكرت أن يكون من نسب شيئا من ذلك منهم إلى من نسبه من أجناس الامم سوى العرب إنما نسبه إلى إحدى نسبتيه التي هو لها مستحق من غير نفي منه عنه النسبة الاخرى ؟ ثم يقال له : أرأيت من قال لارض سهلية جبلية هي سهلية ولم ينكر أن تكون جبلية أو قال : هي جبيلة ولم يدفع أن تكون سهلية أناف عنها أن تكون لها الصفة الاخرى بقيله ذلك ؟ فإن قال : نعم كابر عقله وإن قال : لا قيل له : فما أنكرت أن يكون قول من قال في سجيل هي فارسية وفي القسطاس هي رومية نظير ذلك ؟ وسئل الفرق بين ذلك فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله .
القول في اللغة التي نزل بها القرآن من لغات العرب
قال أبو جعفر : قد دللنا على صحة القول بما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه على إن الله ( 2 ) - جل ثناؤه - أنزل جميع القرآن بلسان العرب دون غيرها من ألسن سائر أجناس الامم وعلى فساد قول من زعم أن منه ما ليس بلسان العرب ولغتها . فنقول الآن : إذا كان ذلك صحيحا في الدلالة عليه بأي ألسن العرب أنزل ؟ أبألسن جميعها أم بألسن باليان متباينو المنطق والكلام . وإن كان ذلك كذلك وكان الله - جل ذكر - قد أخبر عباده أنه جعل القرآن عربيا وأنه أنزل بلسان عربي مبين ثم كان ظاهره محتملا خصوصا وعموما لم يكن لنا السبيل إلى العلم بما عنى الله تعالى ذكره من خصوصه وعمومه إلا ببيان من جعل إليه بيان القرآن وهو رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فإذا كان ذلك كذلك وكانت الاخبار قد تظاهرت عنه ( صلى الله عليه وسلم ) ، بما : 7 - حدثنا به خلاد بن أسلم قال : حدثنا أنس بن عياض عن أبي حازم عن أبي سلمة قال : لا أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « أنزل القرآن على سبعة »
مقدمة 18

( 1 ) سورة الاحزاب ، الآية : 5 .
( 2 ) كذا في جميع الاصول : « على أن الله » والاصوب أن تكون : « بأن الله » .

أحرف فالمراء في القرآن كفر - ثلاث مرات - فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه « ( 1 ) . 8 - وحدثني عبيد بن أسباط بن محمد قال : حدثنا أبي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : » أنزل القرآن على سبعة أحرف عليم حكيم غفور رحيم « ( 2 ) . * - وحدثنا أبو كريب قال : حدثني عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مثله . 9 - وحدثنا محمد بن حميد الرازي قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد عن مغيرة عن واصل بن حيان عمن ذكره عن أبي الاحوص عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : » أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل حرف منها ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع « ( 4 ) . * - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا مهران قال : حدثنا سفيان عن إبراهيم الهجري عن أبي الاحوص عن عبد الله بن مسعود عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مثله . 10 - حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء قال : حدثنا أبو بكر بن عياش قال : حدثنا عاصم عن زر عن عبد الله قال : اختلف رجلان في سورة فقال هذا : أقرأني النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقال هذا : أقرأني النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . فأتي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبر بذلك قال : فتغير وجهه وعنده رجل فقال : » اقرءوا كما علمتم « - فلا أدري أبشئ أمر أم بشئ ابتدعه من قبل نفسه - » فإنما أهلك من كان قبلكم اختلافهم على أنبيائهم « ( 5 ) . وقال : فقال م كل رجل منا وهو لا يقرأ على قراءة صاحبه . نحو هذا ومعناه .»
مقدمة 19

( 1 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 3 حديث 799 - طبعة دار الفكر ) .
( 2 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 3 حديث 8398 ) .
( 3 ) في نسخة جهير .
( 4 ) مطلع الحديث « أنزل القرآن على سبعة أحرف » دون الزيادة التالية له هنا ، رواه البخاري في الخصومات وبدء الخلق وفضائل القرآن والاستتابة والتوحيد . ومسلم في المسافرين . وأبو داود في الوتر . والترمذي في القرآن . والنسائي في الافتتاح . ومالك في القرآن . وأحمد في مسنده في غير موضع . والحديث المذكور هنا رواه بتمامه السيوطي في الجامع الصغير ( حديث رقم 2727 ) وعزاه للطبراني في المعجم الكبير .
( 5 ) رواه من حديث عبد الله بن عمرو : الامام أحمد في المسند ( ج 2 حديث رقم 6815 ) ومسلم في صحيحه ، كتاب العلم ، حديث رقم 2 ، ولفظه فيه : عن عبد الله بن عمرو قال : هجرت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوما ، قال : فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية ، فخرج علينا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يعرف في وجهه الغضب ، فقال : « إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب » .

11 - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الاموي ، قال : حدثنا أبي قال : حدثنا الاعمش . وحدثني أحمد بن منيع قال : حدثنا يحيى بن سعيد الاموي عن الاعمش عن عاصم عن زر بن حبيش ، قال : قال عبد الله بن مسعود : تمارينا في سورة من القرآن ، فقلنا : خمس وثلاثون ، أوست وثلاثون آية ، قال : فانطلقنا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فوجدنا عليا يناجيه ، قال : فقلنا : إنا اختلفنا في القراءة ، قال : فاحمر وجه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقال : « إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم بينهم » ( 1 ) . قال : ثم أسر إلى علي شيئا ، فقال لنا علي : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يأمركم أن تقرؤوا كما علمتم . 12 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا عبيدالله بن موسى ، عن عيسى بن قرطاس ، عن زيد القصار ، عن زيد بن أرقم ، قال : كنا معه في المسجد فحدثنا ساعة ، ثم قال : جاء رجل إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : أقرأني عبد الله بن مسعود سورة أقرأنيها زيد ، وأقرأنيها أبي بن كعب ، فاختلفت قراءتهم ، فبقراءة أيهم آخذ ؟ قال : فسكت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) - قال : وعلي إلى جنبه - فقال علي : ليقرأ كل إنسان كما علم ، كل حسن جميل . 13 - حدثني يونس بن عبد الاعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب . قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عروة بن الزبير ، أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القارئ أخبراه أنهما سمعا عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، يقول : سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الدخان في حياة رسول الله ( على الله عليه وسلم ) ، فاستمعت لقراءته ، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة ، لم يقرئنيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فكدت أساوره ( 2 ) في الصلاة ، فتصبرت حتى سلم ، فلما سلم لببته ( 3 ) بردائه ، فقلت : من أقرأك هذه السورة التي سمعت تقرؤها ؟ قال : أقرأنيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فقلت : كذبت ، فوالله إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها ! فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقلت : يا رسول الله ، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ، وأنت أقرأتني سورة الفرقان . قال : فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « أرسله يا عمر ! اقرأ يا هشام » . فقرأ القراءة التي سمعته يقرؤها ، فقال
مقدمة 20

( 1 ) رواية أخرى للحديث الذي سبقه . راجع الحاشية السابقة .
( 2 ) كدت أساوره : أي كدت أواثبه وأبطش به .
( 3 ) أي أخذت بمجامع ردائه في عنقه وجررته به . مأخوذا من اللبة ، لانه يقبض عليها .

رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « هكذا أنزلت » . ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « أقرأ يا عمر ! » فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله ( صلى عليه وسلم ) ، فقال رسول ( صلى الله عليه وسلم ) : « هكذا أنزلت » . ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم : « إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرءوا ما تيسر منها » ( 1 ) . 14 - حدثني أحمد بن منصور ، قال : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، قال : حدثنا حرب بن أبي ثابت من بني سليم ، قال : حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قرأ رجل عند عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فغير عليه ، فقال : لقد قرأت على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فلم يغير علي . قال : فاختصما عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : يا رسول الله : ألم تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال : « بلى ! » قال : فوقع في صدر عمر شئ ، فعرف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك في وجهه ، قال : فضرب صدره ، وقال : « ابعد شيطانا » قالها ثلاثا ، ثم قال : « يا عمر ، إن القرآن كله صواب ، ما لم تجعل رحمة عذابا ، أو عذابا رحمة » ( 2 ) . 15 - حدثنا عبيدالله بن محمد الفريابي ، قال حدثنا عبد الله بن ميمون ، قال : حدثنا عبيدالله ، يعني ابن عمر ( 3 ) ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : سمع عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، رجلا يقرأ القرآن ، فسمع آية على غير ما سمع من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأتى به عمر إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : يا رسول الله ، إن هذا قرأ آية كذا وكذا . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « أنزل القرآن على سبعة أحرف ، كلها شاف كاف » . 16 - حدثني يونس بن عبد الاعلى ، قال أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني هشام بن سعد ، عن علي بن أبي علي ، عن زبيد ( 4 ) ، عن علقمة النخعي ، قال : لما خرج عبد الله بن مسعود من الكوفة ، اجتمع إليه أصحابه فودعهم ، ثم قال : لا تنازعوا في القرآن فإنه لا يختلف ولا يتلاشى ( 5 ) ولا يتغير لكثرة الرد ، وإن شريعة الاسلام وحدوده وفرائضه فيه واحدة ، ولو كان شئ من الحرفين ينهى عن شئ يأمر بن الآخر ، كان ذلك الاختلاف ،
مقدمة 21

( 1 ) رواه البخاري في الخصومات باب 4 ، واستتابة المرتدن باب 9 . ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم 270 . وأبو داود في أبواب الوتر باب 22 . والترمذي في القراءات باب 9 . والنسائي في الافتتاح باب 37 . ومالك في الموطأ ، كتاب القرآن حديث رقم 5 . واحمد في المسند ( ج 1 ) حديث رقم 277 ، وحديث رقم 296
) .
( 2 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 5 رقم 16366 ) .
( 3 ) هو عبيدالله بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، وليس هو ابن عمر بن الخطاب .
( 4 ) في نسخة زيد . والصواب ما أثبتناه .
( 5 ) قوله : « ولا يتلاشى » قال أهل اللغة : إنه مولد من « لا شئ » كأنه اضمحل حتى صار إلى لا شئ .

ولكنه جامع ذلك كله ، لا تختلف فيه الحدود ولا الفرائض ، ولا شئ من شرائع الاسلام ، ولقد رأيتنا نتنازع فيه عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فيأمرنا فنقرأ عليه ، فيخبرنا أنا كلنا محسن ، ولو أعلم أحدا أعلم بما أنزل الله على رسوله مني لطلبته حتى أزداد علمه إلى علمي . ولقد قرأت من لسان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سبعين مرة ، وقد كنت علمت أنه يعرض عليه القرآن في كل رمضان ، حتى كان عام قبض ، فعرض عليه مرتين . فكان إذا فرغ أقرأ عليه ، فيخبرني أني محسن . فمن قرأ قرأتي فلا يدعنها رغبة عنها ، ومن قرأ على شئ من هذه الحروف فلا يدعنه رغبة عنه ، فإنه من جحد بآية جحد به كله ( 1 ) . 17 - حدثني يونس بن عبد الاعلى ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا رشدين بن سعد ، عن عقيل بن خالد ، جميعا عن ابن شهاب . قال : حدثني عبيدالله بن عبد الله بن عتبة ، أن ابن عباس حدثه : أن رسول الله ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : « أقرأني جبرئيل على حرف ، فراجعته ، فلم أستزيده فيزيدني ، حتى انتهى إلى سبعة أحرف » ( 2 ) . قال ابن شهاب : بلغني أن تلك السبعة الاحرف إنما هي في الامر الذي يكون واحدا ، لا يختلف في حلال ولا حرام . 18 - حدثني محمد بن عبد الله ابن أبي مخلد الواسطي ، ويونس بن عبد الاعلى الصدفي ، قالا : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عبيدالله ، أخبره أبوه ، أن أم أيوب أخبرته ، أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « أنزل القرآن على سبعة أحرف ، أيها قرأت أصبت » ( 3 ) . 19 - حدثنا إسماعيل بن موسى السدي . قال : أنبأنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن سليمان بن صرد ، يرفعه ، قال : « أتاني ملكان فقال أحدهما : اقرأ قال : على كم ؟ قال : على حرف ، قال : زده ! » حتى انتهى إلى سبعة أحرف ( 4 ) .
مقدمة 22

( 1 ) رواه الامام أحمد في المسند مطولا ، وفيه : « إن القرآن لا يختلف ولا يستشن ولا يتفه لكثرة الرد » ( انظر المسند ج 2 حديث 3845 ) .
( 2 ) رواه البخاري في فضائل القرآن باب 5 ، وبدء الخلق باب 6 . ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها حديث رقو 272 . والنسائي في الافتتاح باب 37 . وأحمد في المسند ( ج 1 حديث 2375 و 2717 و 2860 ) .
( 3 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 10 حديث رقم 27513 و 27694 ) وفيه « أيها قرأت أجزأك » بدل « أصبت » .
( 4 ) رواه الامام أحمد مطولا من رواية سليمان بن صرد عن أبي بن كعب . وسيأتي في رواية الطبري مثل رواية أحمد في الحديث رقم 21 في الصفحة التالية .

20 - حدثنا ابن البرقي ، قال : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا نافع بن يزيد ، قال : حدثني عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن عبيدالله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « أقرني جبرئيل القرآن على حرف ، فاستزدته ، فزادني ، ثم استزدته فزادني ، حتى انتهى إلى سبعة أحرف » ( 1 ) . * - حدثني الربيع بن سليمان ، قال حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبيدالله بن أبي يزيد ، عن أبيه ، أنه سمع أم أيوب تحدث عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فذكر نحوه ، يعني نحو حديث ابن أبي مخلد . * - حدثنا الربيع ، قال : حدثنا أسد ، قال : حدثنا أبو الربيع السمان ، قال : حدثني عبيدالله بن أبي يزيد ، عن أبيه ، عن أم أيوب ، أنها سمعت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : « نزل القرآن على سبعة أحرف ، فما قرأت أصبت » ( 2 ) . 21 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثني يحيى بن آدم ، قال : حدثني إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن فلان العبدي - قال أبو جعفر : ذهب عني اسمه - عن سليمان بن صرد عن أبي بن كعب ، قال : رحت إلى المسجد فسمعت رجلا يقرأ ، فقلت : من أقرأك ؟ فقال : رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فانطلقت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقلت : استقرئ هذا ! قال : فقرأ . فقال : « أحسنت ! » . قال : فقلت : قد أحسنت ، قد أحسنت ! ! قال : فضرب بيده على صدري ثم قال : « اللهم أذهب عن أبي الشك ! » . قال : ففضت عرقا ، وامتلا جوفي فرقا ، ثم قال : « إن الملكين أتياني ، فقال أحدهما : اقرأ القرآن على حرف ، وقال الآخر : زده . قال : فقلت زدني . قال : اقرأه على حرفين ، حتى بلغ سبعة أحرف ، فقال اقرأ على سبعة أحرف » ( 3 ) . 22 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا ابن أبي عدي . وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا محمد بن ميمون الزعفراني ، جميعا عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن أبي بن كعب رضي الله عنه ، قال : ما حاك في صدري شئ منذ أسلمت إلا أني قرأت آية فقرأها رجل غير قراءتي ، فقلت : أقرأنيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال الرجل : أقرأنيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأتيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقلت : أقرأتني آية كذا وكذا ؟ قال : « بلى ! » قال
مقدمة 23

( 1 ) سبق تخرجيه في الحاشية رقم 2 من الصفحة السابقة .
( 2 ) الحديث مر برقم 18 . انظر تخريجه هناك .
( 3 ) رواه الامام أحمد مختصرا قليلا في المسند ( ج 8 حديث رقم 21210 ) .

الرجل : ألم تقرأني آية كذا وكذا ؟ قال : « بلى ! إن جبرئيل وميكائيل ، عليهما السلام ، أتياني ، فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري ، فقال جبريل : اقرأ القرآن على حرف واحد ، وقال ميكائيل : استزده . قال جبريل : اقرأ القرآن على حرفين . فقال ميكائيل : استزده ، حتى بلغ ستة أو سبعة » . والشك من أبي كريب . وقال بشار ، في حديثه : « حتى بلغ سبعة أحرف » ولم يشك فيه ، « وكل شاف كاف » ( 1 ) ، ولفظ الحديث لابي كريب . * - وحدثني يونس بن عبد الاعلى ، قال : أخبرنا وهب ، قال : أخبرني يحيى بن أيوب ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، عن أبي بن كعب ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، بنحوه . وقال في حديثه : « حتى بلغ ستة أحرف ، قال : اقرأه على سبعة أحرف ، كل شاف كاف » ( 2 ) . 23 - حدثنا محمد بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا حماد بن سلمه ، عن حميد ، عن أنس بن مالك ، عن عبادة بن الصامت ، عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » ( 3 ) . 24 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا حسين بن علي ، وأبو أسامة ، عن زائدة ، عن عاصم ، عن زر ، عن أبي ، قال : لقي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جبريل عند أحجار المراء ( 4 ) ، فقال : « إني بعثت إلى أمة الاميين ، منهم الغلام والخادم والشيخ الفاني والعجوز » . فقال جبريل : فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف ( 5 ) . ولفظ الحديث لابي أسامة . 25 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن نمير ، قال : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد . وحدثنا عبد الحميد بن بيان القناد ، قال : حدثنا محمد بن يزيد الواسطي ، عن إسماعيل ، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن جده ، عن أبي بن كعب ، قال : كنت في المسجد ، فدخل رجل يصلي ، فقرأ قراءة أنكرتها عليه ، ثم دخل رجل آخر ، فقرأ
مقدمة 24

( 1 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 8 حديث رقم 21150 و 21190 ) .
( 2 ) هذا الحديث مكرر الحديث قبله ، وقد أشرنا إلى تخريجه في الحاشية السابقة .
( 3 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 8 حديث رقم 21149 ) هكذا مختصرا .
( 4 ) أحجار المراء : موضع بقباء خارج المدينة . وذكر ابن الاثير في النهاية والفيروز أبادي في القاموس عن مجاهد أنها هي قباء . أما البكري في « معجم ما استعجم » فقد ذكر أنه موضع بمكة .
( 5 ) رواه الترمذي في القرآن باب 9 . وأحمد في المسند ( 8 حديث 21262 ) .

قراءة غير قراءة صاحبه ، فدخلنا جميعا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : فقلت : يا رسول الله : إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ، ثم دخل هذا فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه . فأمرهما رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقرآ ، فحسن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) شأنهما . فوقع في نفسي من التكذيب ، ولا إذ كنت في الجاهلية ، فلما رأى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ما غشيني ، ضرب على صدري ، ففضت عرقا كأنما أنظر إلى الله فرقا ، فقال لي : « يا أبي أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف ، فرددت عليه أن هون على أمتي ! فرد علي في الثانية أن اقرأ القرآن على حرف ، فرددت عليه أن هون على أمتي ! فرد علي في الثالثة : أن اقرأ القرآن على سبعة أحرف ، ولك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها ، فقلت : اللهم اغفر لامتي الله أغفر لامتي ، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي فيه الخلق كلهم ، حتى إبراهيم » ( 1 ) . إلا أن ابن بيان قال في حديثه 7 فقال لهم النبي ، ( صلى الله عليه وسلم ) : « قد أصبتم وأحسنتم » وقال أيضا : « فارفضضت ( 2 ) عرقا » .
26 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا محمد بن فضيل ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، بإسناده عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، نحوه ، وقال : « قال لي : أعيذك بالله من الشك والتكذيب » ، وقال أيضا : « إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف ، فقلت : اللهم رب خفف عن أمتي ! قال : اقرأه على حرفين ، فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرف ، من سبعة أبواب من الجنة كلها شاف كاف » ( 3 ) . 27 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا وكيع ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى - ( و ) وعن ابن أبي ليلى عن الحكم - عن ابن أبي ليلى ، عن أبي ، قال : دخلت المسجد ، فصليت فقرأت النحل ، ثم جاء رجل آخر فقرأها على غير قراءتي ، ثم دخل رجل آخر فقرأ بخلاف قراءتنا ، فدخل في نفسي من الشك والتكذيب أشد مما كان في الجاهلية ، فأخذت بأيديهما ، فأتيت بهما النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقلت : يا رسول الله ، استقرئ هذين ! فقرأ أحدهما : فقال « أصبت » ، ثم استقرأ الآخر ، فقال : « أصبت » ! فدخل قلبي أشد مما كان في الجاهلية من الشك والتكذيب ، فضرب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، صدري ، وقال : « أعاذك الله من الشك ، وأخسأ عنك الشيطان » قال إسماعيل : ففضت عرقا ولم يقله
مقدمة 25

( 1 ) رواه مسلم في صلاة المسافرين حديث رقم 273 . وأحمد في المسند ( ج 8 حديث 21229 و 21237 ) .
( 2 ) ارفضاض العرق : تتابع سيلانه .
( 3 ) هذا مكرر الحديث الذي سبقه مع اختلاف في اللفظ .

ابن أبي ليلى . قال : فقال : « أتاني جبريل ، فقال : اقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت : إن أمتي لا تستطيع ذلك ، حتى قال سبع مرات ، فقال لي : اقرأ على سبعة أحرف ولك بكل ردة رددتها مسألة ( 1 ) ، قال : فاحتاج إلي فيها الخلائق ، حتى إبراهيم ( صلى الله عليه وسلم ) » . * - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عبد الله ، عن ابن أبي ليلى ( 2 ) ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، بنحوه . 28 - حدثني أحمد بن محمد الطوسي ، قال : حدثنا عبد الصمد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا محمد بن جحادة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبي بن كعب ، قال : أتى جبريل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو عند أضاة بني غفار ، فقال : إن الله تبارك وتعالى ، يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف ، فمن قرأ منها حرفا فهو كما قرأ ( 3 ) . 29 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبي بن كعب ، أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان أضاة بني غفار ، قال : فأتاه جبريل ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف . قال : « أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك » . قال : ثم أتاه ثانية : فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين ، قال : « أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك » . ثم جاءه الثالثة ، فقال : إن يأمرك أن تقرئ أمتك على ثلاثة أحرف . قال : « أسأل الله معافاته ومغفرته ، إن أمتي لا تطيق ذلك » . ثم جاءه الرابعة ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف ، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا ( 4 ) . * - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، قال : أتى حبيريل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عند أضاة بني غفار ، فذكر نحوه . * - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا موسى بن داود ، قال : حدثنا شعبة ، وحدثنا الحسن بن عرفة ، قال : حدثنا شبابة ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبي بن كعب ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، بنحوه .
مقدمة 26

( 1 ) هكذا بالاصل ، ولعل هنا سقطا يعلم من الرواية السابقة .
( 2 ) هكذا في الاصول ، ويظهر أنه قد سقط من السند راويان أو ثلاثة .
( 3 ) هذا الحديث مختصر ، وسيرويه الطبري في الحديث التالي مطولا .
( 4 ) رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها حديث 274 . وأحمد في المسند ( ج 8 حديث 21230 ) .

30 - حدثني يونس بن عبد الاعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني هشام بن سعد ، عن عبيدالله بن عمر ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي بن كعب ، أنه قال : سمعت رجلا يقرأ في سورة النحل قراءة تخالف قراءتي ، ثم سمعت آخر يقرؤها قراءة تخالف ذلك ، فانطلقت بهما إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقلت : إني سمعت هذين يقرآن في سورة النحل ، فسألتهما من أقرأهما ؟ فقالا : رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقلت : لاذهبن بكما إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : إذا خالفتما ما أقرأني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لاحدهما : « أقرأ » ، فقرأ ، فقال : « أحسنت ! » ، ثم قال للآخر : « اقرأ ! » فقرأ ، فقال : « أحسنت » قال أبي : فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان ، حتى احمر وجهي ، فعرف ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في وجهي ، فضرب بيده في صدري ، ثم قال : « اللهم أخسئ الشيطان عنه ! أتاني آت من ربي ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت : رب ، خفف عني ! ثم أتاني الثانية ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت : رب خفف عن أمتي ! ثم أتاني الثالثة ، فقال مثل ذلك ، وقلت مثله . ثم أتاني الرابعة ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف ولك بكل ردة مسألة ، فقلت : يا رب اغفر لامتي ، يا رب اغفر لامتي ، واختبأت الثالثة شفاعتي لامتي يوم القيامة » . 31 - حدثنا محمد بن عبد الاعلى الصنعاني ، قال : حدثنا ، المعتمر بن سليمان ، قال سمعت عبيدالله بن عمر ، عن سيار أبي الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، رفعه إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ذكر : أن رجلين اختصما في آية من القرآن ، وكل يزعم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أقرأه ، فتقارآ إلى أبي ، فخالفهما أبي ، فتقارءوا إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : يا نبي الله ، اختلفا في آية من القرآن وكلنا يزعم أنك أقرأته . فقال لاحدهما : « أقرأ ! » . قال : فقرأ . فقال : « أصبت ! » . وقال للآخر : « أقرأ ! » . فقرأ خلاف ما قرأ صاحبه . فقال : « أصبت ! » . وقال لابي « أقرأ ! » . فقرأ فخالفهما ، فقال : « أصبت ! » . قال أبي فخدلني من الشك في أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما دخل في من أمر الجاهلية قال : فعرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذي في وجهي ، فرفع يده فضرب صدري ، وقال : « استعذ بالله من الشيطان الرجيم » . قال : ففضت عرقا ، وكأني أنظر إلى الله فرقا ، وقال : « إنه أتاني آت من ربي ، فقال : إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت : رب خفف عن أمتي » . قال : « ثم جاء ، فقال : إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت : رب خفف عن أمتي » . قال : « ثم جاء الثالثة ، فقال : إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت رب خفف عن أمتي » . قال : « ثم جائني الرابعة ، فقال : إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف ، ولك بكل ردة مسألة » . قال : « قلت : رب اغفر لامتي ، رب اغفر لامتي ، واختبأت الثالثة شفاعة لامتي ، حتى إبراهيم ( صلى الله عليه وسلم ) خليل الرحمن ليرغب فيها » . 32 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا زيد بن الحباب ، عن حماد بن سملة ، عن علي بن زيد ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « قال جبريل : اقرءوا القرآن على حرف ، فقال ميكائيل : استزده ، فقال : على حرفين ، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف ، فقال : كلها شاف كاف ، ما لم يختم آية عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب ، كقولك هلم وتعال » ( 1 ) . 33 - حدثني يونس بن عبد الاعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرنا سليمان بن بلال ، عن يزيد بن خصيفة ، عن بشر بن سعيد ، أن أبا جهم ( 2 ) الانصاري ، أخبره : أن رجلين اختلفا في آية من القرآن ، فقال هذا : تلقيتها من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقال اللآخر : تلقيتها من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فسالا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عنها ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فلا تماروا في القرآن ، فان المراء فيه كفر » ( 3 ) . 34 - حدثنا يونس قال : أخبرنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ( 4 ) ، قال : قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : « أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف » . 35 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أخبرني سليمان بن بلال ، عن أبي عيسى بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ، عن جده عبد الله بن مسعود ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف ، كل كاف شاف » ( 5 ) . 36 - حدثنا أحمد بن حازم الغفاري ، قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا أبو خلدة ،
مقدمة 27

( 1 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 7 حديث 20447 ) بشئ من الاختصار . ورواه أيضا ( ج 7 حديث 20537 ) بنحوه وفيه زيادة : « نحو قولك تعال وأقبل وهلم واذهب وأسرع وأعجل » .
( 2 ) صوابه أبو جهيم الانصاري ، وهو أبو جهيم بن الحارث بن الصمة رضي الله عنه ، كما ذكره أحمد في المسند . ( 3 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 6 حديث 17550 ) .
( 4 ) عمرو بن دينار تابعي ، فهذا الحديث مرسل .
( 5 ) وردت أسماء هذا الحديث في « م » على هذا النحو : وحدثني يونس قال : أخبرني سليمان بن بلال ، عن أبي عيسى ، عن عبد الله بن مسعود .

قال : حدثني أبو العالية ( 1 ) ، قال : قرأ على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، من كل خمس رجل ، فاختلفوا في اللغة فرضي قراءتهم كلهم ، فكان بنو تميم أعرب القوم . 37 - عمرو بن عثمان العثماني ، قال حدثنا ابن أبي أويس ، قال حدثنا أخي ، عن سليمان بن بلال ، عن محمد بن عجلان ، عن المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرءوا ولا حرج ، ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ، ولا ذكر عذاب برحمة » . 38 - حدثنا محمد بن مرزوق ( 2 ) قال : حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ، قال : حدثنا عبد الوارث ، : قال حدثنا محمد بن جحادة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي بن كعب ، قال : أتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، جبريل ، وهو بأضاة بن غفار ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف واحد . قال : فقال : « أسأل الله مغفرته ومعافاته » - أو قال : « معافاته ومغفرته - إنهم لا يطيقون ذلك ، فسل الله لهم التخفيف ! » . فانطلق ثم رجع ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين . قال : « أسأل الله مغفرته ومعافاته » - أو قال : « معافاته ومغفرته - إنهم لا يطيقون ذلك ، فسل الله لهم التخفيف ! » . فانطلق ثم رجع ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف . فقال : « أسأل الله مغفرته ومعافاته » - أو قال : « معافاته ومغفرته - إنهم لا يطيقون ذلك ، سل الله لهم التخفيف ! » . فانطلق ثم رجع ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف ، فمن قرأ منها بحرف فهو كما قرأ « ( 3 ) . قال أبو جعفر : صح وثبت ، أن الذي نزل به القرآن من ألسن العرب البعض منها دون الجميع ، إذ كان معلوما أن ألسنتها ولغاتها أكثر من سبعة ، بما يعجز عن إحصائه . فإن قال : وما برهانك على أن معنى قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : » نزل القرآن على سبعة أحرف « وقوله : » أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف « هو ما ادعيته ، من أنه نزل بسبع لغات وأمر بقراءته على سبعة ألسن ، دون أن يكون معناه ما قاله مخالفوك من أنه نزل بأمر وزجر وترغيب وترهيب»
مقدمة 28

( 1 ) أبو العالية تابعي يروي عن الصحابة ، فهذا الحديث مرسل .
( 2 ) وردت أسماء رواة هذا الحديث في بعض النسخ على هذا النحو : حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو ، عن أبي الحجاج قال : حدثنا عبد الوارث - يعني ابن جحادة - عن الحكم . . .
( 3 ) مضى الحديث مختصرا ( برقم 28 ) وقد أشرنا إلى تخريجه هناك .

وقصص ومثل ونحو ذلك الاقوال ؟ فقد علمت قائلي ذلك من سلف الامة وخيار الائمة . قيل له : إن الذين قالوا ذلك ، لم يدعوا أن تأويل الاخبار التي تقدم ذكرنا لها هو ما زعمت أنهم قالوه في الاحرف السبعة التي نزل بها القرآن دون غيره فيكون ذلك لقولنا مخالفا ، وإنما أخبروا أن القرآن نزل على سبعة أحرف ، يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوجه ، والذي قالوه من ذلك كما قالوا . وقد روينا بمثل الذي قالوا من ذلك ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعن جماعة من أصحابه ، أخبارا قد تقدم ذكرنا بعضها ، وسنستقصي ذكر باقيها ببيانه إذا انتهينا إليه إن شاء الله . فأما الذي تقدم ذكرناه من ذلك ، فخبر أبي بن كعب من رواية أبي كريب ، عن ابن فضيل ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، الذي ذكر فيه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : « أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف ، من سبعة أبواب الجنة » ( 1 ) . والسبعة الاحرف هو ما قلنا من أنه الالسن السبعة ، والابواب السبعة من الجنة هي المعاني التي فيها من الامر ، والنهي ، والترغيب ، والترهيب ، والقصص ، والمثل ، التي إذا عمل بها العامل وانتهى إلى حدودها المنتهي ، استوجب به الجنة . وليس والحمد لله في قول من قال ذلك من المتقدمين ، خلاف لشئ مما قلناه ، والدلالة على صحة ما قلناه ، من أن معنى قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : « نزل القرآن على سبعة أحرف » إنما هو أنه نزل بسبع لغات ، كما تقدم ذكرناه من الروايات الثابتة عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود ، وأبي بن كعب ، وسائر من قدمنا الرواية عنه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في أول هذا الباب ، أنهم تماروا في القرآن ، فخالف بعضهم بعضا في نفس التلاوة دون ما في ذلك من المعاني ، وأنهم احتكموا فيه إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فاستقرأ كل رجل منهم ، ثم صوب جميعهم في قراءتهم على اختلافها ، حتى ارتاب بعضهم لتصويبه إياهم ، فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) للذي ارتاب منهم عند تصويبه جميعهم : « إن أمرني أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف » . ومعلوم أن تماريهم فيما تماروا فيه من ذلك ، لو كان تماريا واختلافا فيما دلت عليه تلاواتهم ، من التحليل ، والحريم ، والوعد ، والوعيد ، وما أشبه ذلك ، لكان مستحيلا أن يصوب جميعهم ( صلى الله عليه وسلم ) ، ويأمر كل قارئ منهم أن يلزم قراءته في ذلك على النحو الذي هو عليه ، لان ذلك لو جاز أن يكون الله - جل ثناؤه - قد أمر بفعل
مقدمة 29

( 1 ) أخرج الامام أحمد في المسند نحوه في مسند ابن مسعود الحديث رقم 4252 ج 2 ولفظه : « إن القرآن نزل على نبيكم من سبعة أبواب ، على سبعة أحرف ، أو قال : حروف » الحديث : زجر ، وأمر ، وحلال ، وحرام ، ومحكم ، ومتشابه ، وأمثال فأحلوا حلاله ، وحرموا حرامه ، وافعلوا ما أمرتم به ، وانتهوا عما نهيتم عنه ، واعتبروا بأمثاله ، وأعملوا بمحكمه وقولوا : آمنا به كل من عند ربنا .

شئ وفرضه ، في تلاوة من دلت تلاوته على فرضه ، ونهى عن فعل ذلك الشئ بعينه وزجر عنه في تلاوة الذي دلت تلاوته على النهي والزجر عنه ، وأباح وأطلق فعل ذلك الشئ بعينه وجعل ( 1 ) لمن شاء من عباده أن يفعله فعله ، ولمن شاء منهم أن يتركه تركه ، في تلاوة من دلت تلاوته على التخيير . وذلك من قائله إن قاله إثبات ما قد نفى الله - جل ثناؤه - عن تنزيله وحكم كتابه ، فقال : ( ألا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ( 2 ) وفي نفي الله - جل ثناؤه - ذلك عن حكم كتابه أوضح الدليل على أنه لم ينزل كتابه على لسان محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، إلا بحكم واحد متفق في جميع خلقه ، لا بأحكام فيهم مختلفة . وفي صحة كون ذلك كذلك ، ما يبطل دعوى من ادعى خلاف قولنا في تأويل قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » للذين تخاصموا إليه عند اختلافهم في قراءتهم ، لانه ( صلى الله عليه وسلم ) قد أمر جميعهم بالثبوت على قراءته ، ورضي قراءة كل منهم ، على خلافها قراءة خصومه ومنازعيه فيها وصوبها . ولو كان ذلك منه تصويبا فيما اختلفت فيه المعاني ، وكان قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » ، إعلاما منه لهم أنه نزل بسبعة أوجه مختلفة وسبعة معان مفترقة ، كان ذلك إثباتا لما قد نفى الله عن كتابه من الاختلاف ، ونفيا لما قد أوجب له من الائتلاف . مع أن في قيام الحجة بأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يقض في شئ واحد في وقت واحد بحكمين مختلفين ، ولا أذن بذلك لامته ، ما يغني عن الاكثار في الدلالة على أن ذلك منفي عن كتاب الله . وفي انتفاء ذلك عن كتاب الله ، وجوب صحة القول الذي قلناه في معنى قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » عند اختصام المختصمين إليه فيما اختلفوا فيه من تلاوة ما تلوه من القرآن ، وفساد تأويل قول من خالف قولنا في ذلك . وأحرى أن الذين تماروا فيما تماروا فيه من قراءتهم ، فاحتكموا إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولم يكن منكرا عند أحد منهم أن يأمر الله عباده - جل ثناؤه - في كتابه وتنزيله بما شاء ، وينهى عما شاء ، ويعد فيما أحب من طاعته ، ويوعد على معاصيه ، ويحتج لنبيه ويعظه فيه ، ويضرب فيه لعباده الامثال ، فيخاصم غيره على إنكاره
مقدمة 30

( 1 ) « جعل » هنا بمعنى أباح ، يعني أباح له فعله ، وأباح له تركه .
( 2 ) سورة النساء ، الآية : 82 .

سماع ذلك من قارئه ، بل على الاقرار بذلك كله كان إسلام من أسلم منهم . فما الوجه الذي أوجب له إنكار ما أنكر ، إن لم يكن كان ذلك اختلافا منهم في الالفاظ واللغات ؟ وبعد ، فقد ، أبان صحة ما قلنا الخبر عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نصا ، وذلك الخبر الذي ذكرنا أن أبا كريب : * - حدثنا ، قال : حدثنا زيد بن الحباب ، عن حماد بن سملة ، عن علي بن زيد ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « قال جبريل : اقرأ القرآن على حرف ! قال ميكائيل عليه السلام : استزده ! فقال : على حرفين ، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف ، فقال : كلها شاف كاف ، ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة ، أو آية رحمة بآية عذاب كقولك هلم وتعال » ( 1 ) . فقد أوضح نص هذا الخبر ، أن الاحرف السبعة إنما هو اختلاف ألفاظ ، كقولك « هلم وتعال » ، باتفاق المعاني لا باختلاف معان موجبة اختلاف أحكام . وبمثل الذي قلنا في ذلك صحت الاخبار عن جماعة من السلف والخلف : 39 - حدثني أبو السائب سالم بن جنادة السوائي ، قال : حدثنا أبو معاوية ، وحدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، جميعا عن الاعمش ، عن شقيق ، قلا : قال عبد الله : إني قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين . فاقرؤوا كما علمتم وإياكم والتنطع ( 2 ) فإنما هو كقول أحدكم « هلم وتعال » . 40 - وحدثنا محمد بن لمثنى
، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عمن سمع ابن مسعود ، يقول : من قرأ منكم على حرف فلا يتحولن ، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله لاتيته ( 3 ) . 41 - وحدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا شعبة ، عن عبد الرحمن بن عباس ، عن رجل من أصحاب عبد الله ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : من قرأ القرآن على حرف ، فلا يتحولن منه إلى غيره ( 4 ) .
مقدمة 31

( 1 ) الحديث مضى بنفس الاسناد برقم 32 . راجع تخريجه هناك .
( 2 ) التنطع : المغالاة والتكلف ، يقال : تنطع في كلامه : تفصح فيه وتعمق ، وتنطع في شهواته : تأنق فيها وتشبع منها . ( المعجم الوسيط : ص 930 ) .
( 3 ) مر معنى هذا الحديث بأطول من هذا . راجع رقم 16 .
( 4 ) رواه أحمد في المسند ( ج 2 حديث 3845 ) بأطول من هذا .

فمعلوم أن عبد الله لم يعن بقوله هذا : من قرأ ما في القرآن من الامر والنهي فلا يتحولن منه إلى قراءة ما فيه من الوعد والوعيد ، ومن قرأ ما فيه من الوعد والوعيد فلا يتحولن منه إلى قراءة ما فيه من القصص والمثل ، وإنما عنى رحمة الله عليه أن من قرأ بحرفه ، وحرفه : قراءته . وكذلك تقول العرب لقراءة رجل : حرف فلان ، وتقول للحرف من حروف الهجاء المقطعة : حرف . كما تقول لقصيدة من قصائد الشاعر : كلمة فلان . فلا يتحولن عنه إلى غيره رغبة عنه . ومن قرأ بحرف أبي ، أو بحرف زيد ، أو بحرف بعض من قرأ من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ببعض الاحرف السبعة ، فلا يتحولن عنه إلى غيره رغبة عنه ، فإن الكفر ببعضه كفر بجميعه ، والكفر بحرف من ذلك كفر بجميعه . يعني بالحرف ما وصفناه من قراءة بعض من قرأ ببعض الاحرف السبعة . وقد : 42 - حدثنا يحيى بن داود الواسطي ، قال : حدثنا أبو أسامة ، عن الاعمش ، قال : قرأ أنس هذه الآية : ( إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلا ) ( 1 ) . فقال القوم : يا أبا حمزة ، إنما هي وأقوم . فقال : أقوم وأصوب وأهدى واحد . 43 - وحدثني محمد بن حميد الرازي ، قال : حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن ليث ، عن مجاهد أنه كان يقرأ القرآن على خمسة أحرف . 44 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن سالم : أن سعيد بن جبير كان يقرأ القرآن على حرفين . 45 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، قال : كان يزيد بن الوليد يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف ( 2 ) .
مقدمة 32

( 1 ) سورة الزمر ، الآية : 6 .
( 2 ) جاءت هذه الفقرة في بعض النسخ هكذا : حدثنا ابن حميد قال : حدثنا حكام ، عن مغيرة قال : حدثنا يزيد بن الوليد أنه كان يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف . ومنها يفهم أن المتحدث عنه ، وهو سعيد بن جبير المذكور في الفقرة السابقة ، هو الذي كان يقرأ على ثلاثة أحرف . وهذا هو الاقرب إلى الصواب ، ويعكس ما يفهم مما هنا ، والفقرة الآتية تؤيد رأينا . ( راجع تراجم سعيد بن جبير ويزيد بن القعقاع ويزيد بن رومان في كتاب طبقات القراء ) .

أفترى الزاعم أن تأويل قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » إنما هو أنه نزل على الاوجه السبعة التي ذكرنا : من الامر ، والنهي ، والوعد ، والوعيد ، والجدل ، والقصص ، والمثل ، كان يرى أن مجاهدا وسعيدا بن جبير لم يقرءا من القرآن إلا ما كان من وجهيه ، أو وجوهه الخمسة ، دون سائر معانيه ؟ لئن كان ظن ذلك بهما لقد ظن بهما غير الذي يعرفان به من منازلهما من القرآن ومعرفتهما بآي الفرقان . 46 - وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب ، عن محمد ، قال : نبئت أن جبرائيل وميكائيل أتيا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال له جبرائيل : اقرأ القرآن على حرفين ! فقال له ميكائيل : استزده ! فقال : اقرأ القرآن على ثلاثة أحرف ! فقال له ميكائيل : استزده ! قال : حتى بلغ سبعة أحرف . قال محمد : لا تختلف في حلال ، ولا حرام ، ولا أمر ، ولا نهي ، هو كقولك تعال ، وهلم ، وأقبل . قال : وفي قراءتنا : ( إن كانت إلا صيحة واحدة ) ( 1 ) وفي قراءة ابن مسعود : « إن كانت إلا زقية واحدة » . 47 - وحدثني يعقوب ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا شعيب - يعني ابن الحبحاب - قال : كان أبو العالية إذا قرأ عنده رجل لم يقل « ليس كما يقرأ » وإنما يقول : « أما أنا فأقرأ كذا وكذا » . قال : فذكرت ذلك لابراهيم النخعي ، فقال : أرى صاحبك قد سمع أن من كفر بحرف منه فقد كفر به كله . 48 - حدثنا يونس بن عبد الاعلى ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : حدثنا يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني سعيد بن المسيب : أن الذي ذكر الله تعالى ذكره : ( إنما يعلمه بشر ) ( 2 ) إنما افتتن أنه كان يكتب الوحي ، فكان يملي عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « سميع عليم » ، أو « عزيز حكيم » ، أو غير ذلك من خواتم الآي ، ثم يشتغل عنه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو على الوحي ، فيستفهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فيقول : أعزيز حكيم ، أو سميع عليم ، أو عزيز عليم ؟ فيقول له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « أي ذلك كتبت ، فهو كذلك » . ففتنه ذلك ، فقال : إن محمدا وكل ذلك إلي ، فأكتب ما شئت . وهو الذي ذكر لي سعيد بن المسيب من الحروف السبعة . 49 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله ، قال : من كفر بحرف من القرآن أو بآية منه فقد كفر به كله ( 3 ) .
مقدمة 33

( 1 ) سورة يس ، الآيتان : 29 و 53 .
( 2 ) سورة النحل ، الآية : 103 .
( 3 ) مر مثله في رقم 41 . ورواه أحمد بأطول من هذا في المسند ( ج 2 حديث 3845 ) .

قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فإذا كان تأويل قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » عندك ما وصفت بما عليه استشهدت ، فأوجدنا حرفا في كتاب الله مقروءا بسبع لغات ، فنحقق بذلك قولك ! وإلا فإن لم تجد ذلك كذلك ، كان معلوما بعد مكة ( 1 ) صحة قول من زعم أن تأويل ذلك أنه نزل بسبعة معان ، وهو : الامر ، والنهي ، والوعد ، والوعيد ، والجدل ، والقصص ، والمثل ، وفساد قولك . أو تقول في ذلك : إن الاحرف السبعة لغات في القرآن سبع متفرقة في جميعه من لغات أحياء من قبائل العرب مختلفة الالسن ، كما كان يقوله بعض من لم يمعن النظر في ذلك ، فيصير بذلك إلى القول بما لا يجهل فساده ذو عقل ولا يلتبس خطؤه على ذي لب . وذلك ، أن الاخبار التي بها احتججت لتصحيح مقالتك في تأويل قول النبي ( صلى الله عليه سلم ) : « نزل القرآن على سبعة أحرف » ، هي الاخبار التي رويتها عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود ، وأبي بن كعب ، رحمة الله عليهم ، وعمن رويت ذلك عنه من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، بأنهم تماروا في تلاوة بعض القرآن ، فاختلفوا في قراءته دون تأويله ، وأنكر بعض قراءة بعض ، مع دعوى كل قارئ منهم قراءة منها : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أقرأه ما قرأ بالصفة التي قرأ . ثم احتكموا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فكان من حكم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بنيهم أن صوب قراءة كل قارئ منهم على خلافها قراءة أصحابه الذين نازعوه فيها ، وأمر كل امرئ منهم أن يقرأ كما علم ، حتى خالط قلب بعضهم الشك في الاسلام لما رأى من تصويب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قراءة كل قارئ منهم على اختلافها . ثم جلاه الله عنه ببيان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) له : أن القرآن أنزل على سبعة أحرف . فإن كانت الاحرف السبعة التي نزل بها القرآن عندك - كما قال هذا القائل - متفرقة في القرآن ، مثبتة اليوم في مصاحف أهل الاسلام ، فقد بطلت معاني الاخبار التي رويتها عمن رويتها عنه من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنهم اختلفوا في قراءة سورة من القرآن ، فاختصموا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأمر كلا أن يقرأ كما علم ، لان الاحرف السبعة إذا كانت لغات متفرقة في جميع القرآن ، فغير موجب حرف من ذلك اختلافا بين تالية ( 2 ) ، لان كل تال فإنما يتلو ذلك الحرف تلاوة واحدة على ما هو به في مصحف ، وعلى ما أنزل . وإذا كان ذلك كذلك بطل وجه اختلاف الذين روي منهم أنهم اختلفوا في قراءة سورة ، وفسد معنى أمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كل قارئ منهم أن يقرأه على ما علم ، إذ كان لا معنى هنالك يوجب اختلافا في لفظ ولا افتراقا في معنى .
مقدمة 34

( 1 ) يعني فقدانك له . والعدم : فقدان الشئ وذهابه .
( 2 ) يعني التالين له . وهي « تالين » أضيفت إلى الضمير فحذفت النون .

وكيف يجوز أن يكون هنالك اختلاف بين القوم والمعلم واحد والعلم واحد غير ذي أوجه ؟ وفي صحة الخبر عن الذين روي عنهم الاختلاف في حروف القرآن على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فإنهم اختلفوا وتحاكموا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ذلك ، على ما تقدم وصفناه ، أبين الدلالة على فساد القول بأن الاحرف السبعة إنما هي أحرف سبعة متفرقة في سورة القرآن ، لا أنها لغات مختلفة في كلمة واحدة باتفاق المعاني . مع أن المتدبر إذا تدبر قول هذا القائل في تأويله قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » وادعائه أن معنى ذلك أنها سبع لغات متفرقة في جميع القرآن ، ثم جميع بين قيله ذلك واعتلاله لقيله ذلك بالاخبار التي رويت عمن روي ذلك عنه من الصحابة والتابعين أنه قال : « هو بمنزلة قولك تعال ، وهلم ، وأقبل » ، وأن بعضهم قال : « هو بمنزلة قراءة عبد الله : إلا زقية ، وهي في قرائتنا : إلا صيحة » ، وما أشبه ذلك من حججه ، علم أن حججه مفسدة في ذلك مقالته ، وأن مقالته فيه مضادة حججه ، لان الذي نزل به القرآن عنده إحدى القراءتين ، إما صحيحة وإما زقية ، وإما تعال ، ، أو أقبل ، أو هلم ، لا جميع ذلك ، لان كل لغة من اللغات السبع عنده في كلمة أو حرف من القرآن غير الكلمة أو الحرف الذي فيه اللغة الاخرى. وإذا كان ذلك كذلك بطل اعتلاله لقوله بقول من قال : « ذلك بمنزلة : هلم ، وتعال ، وأقبل » ، لان هذه الكلمات هي ألفاظ مختلفة يجمعها في التأويل معنى واحد . وقد أبطل قائل هذا القول الذي حكينا قوله اجتماع اللغات السبع في حرف واحد من القرآن ، فقد تبين بذلك إفساد حجته لقوله بقوله ، وإفساده قوله بحجته . فقيل له : القول في ذلك بواحد من الوجهين اللذين وصفت ، بل الاحرف السبعة التي أنزل الله بها القرآن هن لغات سبع في حرف واحد ، وكلمة واحدة ، باختلاف الالفاظ واتفاق المعاني ، كقول القائل :هلم ، وأقبل ، وتعال ، وإلي ، وقصدي ، ونحوي ، وقربي ، ونحو ذلك مما تختلف فيه الالفاظ بضروب من المنطق وتتفق فيه المعاني وإن اختلفت بالبيان به الالسن ، كالذي روينا آنفا عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعمن روينا ذلك عنه من الصحابة ، أن ذلك بمنزلة قولك : هلم ، وتعال ، وأقبل ، وقوله : ما ينظرون إلا زقية ، وإلا صيحة . فإن قال : ففي أي كتاب الله نجد حرفا واحدا مقروءا بلغات سبع مختلفات الالفاظ متفقات المعنى ، فنسلم لك صحة ما ادعيت من التأويل في ذلك ؟ قيل : إنا لم ندع أن ندع أن ذلك موجود اليوم ، وإنما أخبرنا أن معنى قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » ، على نحو ما جاءت به الاخبار التي تقدم ذكرناها ، هو ما وصفنا دون ما ادعاه مخالفونا في ذلك للعلل التي قد بينا. فإن قال : فما بال الاحرف الاخر الستة غير موجودة إن كان الامر في ذلك على ما وصفت ، وقد أقرهن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أصحابه وأمر بالقراءة بهن ، وأنزلهن الله من عنده على نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ أنسخت فرفعت ، فما الدلالة على نسخها ورفعها ؟ أم نسيتهن الامة ، فذلك تضييع ما قد أمروا بحفظه ؟ أم ما القصة في ذلك ؟ قيل له : لم تنسخ فترفع ، ولا ضيعتها الامة وهي مأمورة بحفظها ، ولكن الامة أمرت بحفظ القرآن وخيرت في قراءته وحفظه بأي الكفارات الثلاث شاءت ، كما أمرت إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة أن تكفر بأي الكفارات الثلاث شاءت : إما بعتق ، أو إطعام ، أو كسوة . فلو أجمع جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث دون حظرها التكفير بأي الثلاث شاء المكفر ، كانت مصيبة ( 1 ) حكم الله ، مؤدية في ذلك الواجب عليها من حق الله . فكذلك الامة أمرت بحفظ القرآن وقراءته ، وخيرت في قراءته بأي الاحرف السبعة شاءت ، فرأت لعلة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد قراءته بحرف واحد ، ورفض القراءة بالاحرف الستة الباقية ، ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن له في قراءته به . فإن قيل : . كت العلة التي أوجبت عليها الثبات على حرف واحد دون سائر الاحرف لستة الباقية ؟ قيل : 50 - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن عمارة بن غزية ( 2 ) عن ابن شهاب ، عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه زيد قال : لما قتل أصحاب رسول الله ، ( صلى الله عليه وسلم ) باليمامة ، دخل عمر بن الخطاب على أبي بكر رحمه الله فقال : إن أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) باليمامة تهافتوا تهافت الفراش في النار ، وإني أخشى أن لا يشهدوا موطنا إلا فعلوا ذلك حتى يقتلوا ، وهم حملة القرآن ، فيضيع القرآن وينسى ، فلو جمعته وكتبته ! فنفر منها أبو بكر ، وقال : أفعل ما لم يفعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ فتراجعا في ذلك . ثم أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت . قال زيد : فدخلت عليه ، وعمر محزئل ( 3 ) . فقال
مقدمة 35

( 1 ) في نسخة : « مظنة » ، بدل « مصيبة » .
( 2 ) في نسخة : « خزيمة » . والصواب ما هنا .
( 3 ) أي منضم بعضه إلى بعض جالس كهيئة المستوفز . وفي بعض النسخ : « مسربل » بدل « محزئل » .

أبو بكر : إن هذا دعاني إلى أمر فأبيت عليه ، وأنت كاتب الوحي ، فإن تكن معه ابتعتكما ، وإن توافقني لا أفعل . قال : فاقتص أبو بكر قول عمر ، وعمر ساكت ، فنفرت من ذلك وقلت : نفعل ( 1 ) ما لم يفعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ إلى أن قال عمر كلمة : وما عليكما لو فعلتما ذلك ؟ قال : فذهبنا ننظر ، فقلنا : لا شئ ، والله ما علينا في ذلك شئ ! قال زيد : فأمرني أبو بكر ، فكتبته في قطع الادم وكسر الاكتاف والعسب ( 2 ) . فلما هلك أبو بكر ، وكان عمر ( 3 ) ، كتب ذلك في صحيفة واحدة ، فكانت عنده . فلما هلك ، كانت الصحيفة عند حفصة زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) .
ثم إن حذيفة بن اليمان قدم من غزوة كان غزاها في فرج ( 4 ) أرمينية ، فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان بن عفان ، فقال : يا أمير المؤمنين أدرك الناس ! فقال عثمان : وما ذاك ؟ قال : غزوت فرج ( 4 ) أرمينية ، فحصرها أهل العراق وأهل الشام ، فإذا أهل الشام يقرأون بقراءة أبي بن كعب فيأتون بما لم يسمع أهل العراق فتكفرهم أهل العراق ، وإذا أهل العراق يقرأون بقراءة ابن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فتكفرهم أهل الشام . قال زيد : فأمرني عثمان بن عفان أكتب له مصحفا ، وقال : إني مدخل معك رجلا لبيبا فصيحا ، فما اجتمعتما عليه فاكتباه ، وما اختلفتما فيه فارفعاه إلي ! فجعل معه أبان بن سعيد بن العاص . قال : فلما بلغنا : ( إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ) ( 5 ) قال زيد : فقلت : التابوه . وقال أبان بن سعيد : التابوت . فرفعنا ذلك إلى عثمان ، فكتب « التابوت » . قال : فلما فرغت عرضته عرضة ، فلم أجد فيه هذه الآية : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) إلى قوله : ( وما بدولوا تبديلا ) ( 6 ) قال : فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها ، فلم أجدها عند أحد منهم . ثم استعرضت الانصار أسألهم عنها ،
مقدمة 36

( 1 ) في نسخة : يفعل . والصواب ما هنا .
( 2 ) الادم جمع أديم ، وهو الجلد المدبوغ . والكسر : جمع كسرة ، وهي القطعة المكسورة من الشئ . والاكتاف : جمع كتف ، وهو عظم عريض في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب كانوا يكتبون فيه . والعسب : جمع عسيب ، وهو جريد النخل إذا نحي عنه خوصه .
( 3 ) « كان » هنا فعل تام ، أي تولى الامر بعد أبي بكر .
( 4 ) كذا في الاصل ، والصواب « مرج » كما طبعة دار المعارف .
( 5 ) سورة البقرة ، الآية : 248 .
( 6 ) سورة الاحزاب ، الآية : 23 .

فلم أجدها عند أحد منهم . حتى وجدتها عند خزيمة بن ثابت ، فكتبتها . ثم عرضته عرضة أخرى ، فلم أجد فيه هاتين الآيتين : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ) ( 1 ) إلى آخر السورة . فاستعرضت المهاجرين ، فلم أجدها عند أحد منهم . ثم استعرضت الانصار أسألهم عنها ، فلم أجدها عند أحد منهم . حتى وجدتها مع رجل آخر يدعى خزيمة أيضا ، فأثبتها في آخر براءة . ولو تمت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة . ثم عرضته عرضة أخرى لم أجد فيه شيئا . ثم أرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة ، وحلف لها ليردنها إليها . فأعطته إياها ، فعرض المصحف عليها فلم يختلفا في شئ ، فردها إليها ، وطابت نفسه ، وأمر الناس أن يكتبوا مصاحف . فلما ماتت حفصة أرسل إلى عبد الله بن عمر في الصحيفة بعزمة ، فأعطاهم إياها فغسلت غسلا ( 2 ) . * - وحدثني أيضا يونس بن عبد الاعلى ، قال حدثنا نعيم بن حماد ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن عمارة بن غزية ( 3 ) ، عن ابن شهاب ، عن خارجة بن زيد ، عن أبيه زيد بن ثابت . بنحوه سواء . 51 - وحدثني يعقوب ابن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، قال : لما كان في خلافة عثمان ، جعل المعلم يعلم قراءة الرجل والمعلم يعلم قراءة الرجل ، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون ، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين . قال أيوب : فلا أعلمه إلا قال : حتى كفر بعضهم بقراءة بعض . فبلغ ذلك عثمان ، فقال خطيبا فقال : أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون ، فمن نأى عني من أهل الامصار أشد فيه اختلافا وأشد لحنا ، اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماما ! . قال أبو قلابة : فحدثني أنس بن مالك ، قال : كنت فيمن يملي عليهم . قال : فربما اختلفوا في الآية فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولعله أن يكون غائبا أو في
مقدمة 37

( 1 ) سورة التوبة ، الآية : 128 .
( 2 ) رواه البخاري في القرآن باب 3 ، والاحكام باب 37 ، تفسير سورة 9 باب 20 . والترمذي في تفسير سورة 9 باب 18 . ( 3 ) في نسخة : خزيمة . والصواب ما هنا .

بعض البوادي ، فيكتبون ما قبلها وما بعدها ويدعون موضعها ، حتى يجئ أو يرسل إليه . فلما فرغ من المصحف ، كتب عثمان إلى أهل الامصار : إني قد صنعت كذا وكذا ، ومحوت ما عندي ، فامحوا ما عندكم . 52 - حدثني يونس بن عبد الاعلى ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس قال : قال ابن شهاب : أخبرني أنس بن مالك الانصاري ، أنه اجتمع في غزوة أذربيجان وأرمينية أهل الشام وأهل العراق ، فتذاكروا القرآن واختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة . فركب حذيفة بن اليمان لما رأى اختلافهم في القرآن إلى عثمان ، فقال : إن الناس قد اختلفوا في القرآن ، حتى إني لاخشى أن يصيبهم مثل ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف ! قال : ففزع لذلك فزعا شديدا ، فأرسل إلى حفصة ، فاستخرج الصحف التي كان أبو بكر أمر زيدا بجمعها ، فنسخ منها مصاحف ، فبعث بها إلى الآفاق .
53 - حدثني سعيد بن الربيع ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، قال : قبض النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يكن القرآن جمع ، وإنما كان في الكرانيف ( 1 ) والعسب ( 2 ) . 54 - حدثنا سعيد بن الربيع ، قال : حدثنا سفيان ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن صعصعة : أن أبا بكر أول من ورث الكلالة ( 3 ) ، وجمع المصحف . قال أبو جعفر : وما أشبه ذلك من الاخبار التي يطول باستيعاب جميعها الكتاب والآثار الدالة على أن إمام المسلمين وأمير المؤمنين عثمان بن عفان رحمة الله عليه ، جمع المسلمين نظرا منه لهم وإشفاقا منه عليهم ورأفة منه بهم ، حذار الردة من بعضهم بعد الاسلام ، والدخول في الكفر بعد الايمان ، إذ ظهر من بعضهم بمحضره وفي عصره التكذيب ببعض الاحرف السبعة التي نزل عليها القرآن ، مع سماع أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) النهي عن التكذيب بشئ منها ، وإخباره إياهم أن المراء فيها كفر . فحملهم - رحمة الله عليه - إذ رأى ذلك ظاهرا بينهم في عصره ، وبحداثة عهدهم بنزول القرآن ، وفراق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إياهم ، بما أمن عليهم معه عظيم البلاء في الدين من تلاوة القرآن على حرف واحد ( 4 ) . وجمعهم على مصحف واحد وحرف واحد ، وحرق ما عدا
مقدمة 38

( 1 ) الكرانيف : أصول السعف الغلاظ العراض التي إذا يبست صارت مثل الاكتاف جمع كرنافة .
( 2 ) في نسخة : « السعف » بدل « العسب » .
( 3 ) سيأتي تفسير الطبري للكلالة في تفسير الآية 12 من سورة النساء .
( 4 ) قوله : « على واحد » متعلق بقوله : « فحملهم رحمة الله عليه » .

المصحف الذي جمعهم عليه . وعزم على كل من كان عنده مصحف مخالف المصحف الذي جمعهم عليه أن يحرقه . فأستوثقت له الامة على ذلك بالطاعة ، ورأت أن فيما فعل من ذلك ارشد والهداية ، فتركت القراءة بالاحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها طاعة منها له ونظرا منها لانفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها . حتى درست من الامة معرفتها ، وتعفت آثارها ، فلا سبيل لاحد اليوم إلى القراءة بها لدثورها وعفو آثارها وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها ما غير حجود منها صحتها وصحة شئ منها ، ولكن نظرا منها لانفسها ولسائر أهل دينها . فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح ، دون ما عداه من الاحرف الستة الباقية . فإن قال بعض من ضعفت معرفته : وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأمرهم بقراءتها ؟ قيل : إن أمره إياهم بذلك ، لم يكن أمر إيجاب وفرض ، وإنما كان أمر إباحة ورخصة ، لان القراءة بها لو كانت فرضا عليهم لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الاحرف السبعة عند من يقوم بنقله الحجة ويقطع خبره ( 1 ) العذر ويزيل الشك من قراءة الامة . وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخبرين ، بعد أن يكون في نقلة القرآن من الامة من تجب بنقله الحجة ببعض تلك الاحرف السبعة . فإذا كان ذلك كذلك ، لم يكن القوم بتركهم نقل جميع القراءات السبع تاركين ما كان عليهم نقله ، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما فعلوا ، إذ كان الذي فعلوا من ذلك كان النظر للاسلام وأهله ، فكان القيام بفعل الواجب عليهم بهم أولى من فعل ما لو فعلوه كانوا إلى الجناية على الاسلام وأهله أقرب منهم إلى السلامة من ذلك . فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف وجره ونصبه ، وتسكين حرف وتحريكه ، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة ، فمن معنى قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : « أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف » بمعزل ( 2 ) ، لانه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن مما اختلف القراءة في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء الامة . وقد أوجب عليه الصلاة والسلام بالمراء فيه الكفر ، من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه وتظاهرت عنه بذلك الرواية ، على ما قد قدمنا ذكرها في أول هذا الباب .
مقدمة 39

( 1 ) في نسخة : « حبرة » بدل « خبره » .
( 2 ) يعني بمعزل عن قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) .

فإن قال لنا قائل : فهل لك علم بالالسن السبعة التي نزل بها القرآن ، وأي الالسن هي من ألسن العرب ؟ قلنا : أما الالسن الستة قد نزلت القراءة بها ، فلا حاجة بنا إلى معرفتها ، لانا لو عرفناها لم نقرأ اليوم بها ، مع الاسباب التي قدمنا ذكرها . وقد قيل : إن خمسة منها لعجز هوازن ( 1 ) ، واثنين منها لقريش وخزاعة . وروي جميع ذلك ابن عباس ، ليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله ، وذلك روى عنه أن خمسة منها من لسان العجز من هوازن : الكلبي عن أبي صالح ، وأن الذي عنه أن اللسانين الآخرين لسان قريش وخزاعة : قتادة ، وقتادة لم يلقه ولم يسمع منه . 55 - حدثني بذلك أصحابنا ، قال : حدثنا صالح بن نصر الخزاعي ، قال :حدثنا الهيثم بن عدي ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن ابن عباس ، قال : نزل القرآن بلسان قريش ، ولسان خزاعة ، وذلك أن الدار واحدة . 56 - وحدثني بعض أصحابنا ، قال : حدثنا صالح بن نصر ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أبي الاسود الدؤلي ، قال : نزل القرآن بلسان الكعبين : كعب بن عمرو ، وكعب بن لؤي . فقال خالد بن سملة لسعد بن إبراهيم : ألا تعجب نم هذا الاعمى يزعم أن القرآن نزل بلسان الكعبين ، وإنما نزل بلسان قريش ! . قال أبو جعفر : والعجز من هوازن : سعد بن بكر ، وجشم بن بكر ، ونصر بن معاوية ، وثقيف . وأما معنى قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، إذ ذكر نزول القرآن على سبعة أحرف : « إن كلها شاف كاف » ، فإنه كما قال جل ثناؤه في وصفه القرآن : ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) ( 2 ) جعله الله للمؤمنين شفاء يستشفون بمواعظه من الادواء العارضة لصدورهم من وساوس الشيطان وخطراته فيكفيهم ويغنيهم عن كل ما عداه من المواعظ ببيان آياته .
مقدمة 40

( 1 ) سيذكرهم بعد أسطر .
( 2 ) سورة يونس ، الآية : 57 .

القول في البيان عن معنى قول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « أنزل القرآن من سبعة أبواب الجنة » وذكر الاخبار المروية بذلك قال أبو جعفر اختلف النقلة في ألفاظ الخبر بذلك عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فروي عن ابن مسعود ، عن النبي ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، أنه قال : « كان الكتاب الاول نزل من باب واحد على حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف : زجر ، وأمر ، وحلال ، وحرام ، ومحكم ، ومتشابه ، وأمثال ، فأحلوا حلاله ، وحرموا حرامه ، وافعلوا ما أمرتم به ، وانتهوا عما نهيتم عنه ، واعتبروا بأمثاله ، واعملوا بمحكمه ، وآمنوا بمتشابهه ، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا » ( 1 ) . 57 - حدثني بذلك يونس بن عبد الاعلى ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : أخبرني حيوة بن شريح ، عن عقيل بن خالد ، عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . وروي عن أبي قلابة ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، مرسلا غير ذلك . 58 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عباد بن زكريا ، عن عوف ، عن أبي قلابة ، قال : بلغني أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « أنزل القرآن على سبعة أحرف : أمر ، وزجر ، وترغيب ، وترهيب ، وجدل ، وقصص ، ومثل » . وروي عن أبي ، عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، في ذلك ما : 59 - حدثني به أبو كريب ، قال : حدثنا محمد بن فضيل ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبيدالله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي بن كعب ، قال : قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت : رب خفف على أمتي ! قال : اقرأ على حرفين ، فقلت : رب خفف عن أمتي ! فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب من الجنة كلها شاف كاف » ( 2 ) .
مقدمة 41

( 1 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 2 حديث 4252 ) عن عثمان بن حسان عن فلفلة الجعفي عن ابن مسعود بلفظ : « إن القرآن نزل على نبيكم ( صلى الله عليه وسلم ) من سبعة أبواب على سبعة أحرف - أو قال : حروف - وإن الكتاب قبله كان ينزل من باب واحد على حرف واحد » .
( 2 ) مر نحو هذا الحديث برقم 25 . انظر تخريجه هناك .

مقدمة 42

( 1 ) سورة الحج ، الآية : 11 .

الذي إنما هو تذكير ومواعظ ، وإنجيل عيسى الذي هو تمجيد ومحامد ، وحض على الصفح والاعراض ، دون غيرها من الاحكام والشرائع ، وما أشبه ذلك من الكتب التي نزلت ببعض المعاني السبعة التي يحوي جميعها كتابنا الذي خص الله به نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) أمته . فلم يكن المتعبدون بإقامته يجدون لرضا الله تعالى ذكره مطلبا ينالون به الجنة ، ويستوجبون منه القربة ، إلا من الوجه الواحد الذي نزل به كتابهم ، كذلك هو الباب الواحد من أبواب الجنة الذي نزل منه ذلك الكتاب . وخص الله نبينا محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) وأمته ، بأن أنزل بالجنة إذا أقاموها . فلكل وجه من أوجهه السبعة باب من أبواب الجنة الدي نزل منه القرآن ، لان العامل بكل وجه من أوجهه السبعة عامل في باب من أبواب الجنة ، وترك ما نهى الله عنه فيه باب آخر ثان من أبوابها ، وتحليل ما أحل الله فيه باب ثالث من أبوابها ، وتحريم ما حرم الله فيه باب رابع من أبوابها ، والايمان ، بمحكمه المبين باب خامس من أبوابها ، والتسليم لمتشابهة الذي استأثر الله بعلمه وحجب علمه عن خلقه والاقرار بأن كل ذلك من عند ربه باب سادس من أبوابها ، والاعتبارات بأمثاله ، والاتعاظ بعظاته باب سابع من أبوابها . فجميع ما في القرآن من حروفه السبع وأبوابه السبعة التي نزل منها ، جعله الله لعباده إلى رضوانه هاديا ، ولهم إلى الجنة قائدا . فذلك معنى قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : « نزل القرآن من سبعة أبواب الجنة » . وأما قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : « وإن لكل حرف منه حدا » : يعني لكل وجه من أوجهه السبعة حدا حده الله جل ثناؤه ، لا يجوز لاحد أن يتجاوزه . وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : « وإن لكل حرف منها ظهرا وبطنا » ( 1 ) فإنه يعني أن لكل حد من حدود الله التي حدها فيه من حلال وحرام وسائر شرائعه مقدار من ثواب الله وعقابه ، يعانيه في الآخرة ويطلع عليه ، ويلاقيه في القيامة ، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : « لو أن لي ما في »
مقدمة 43

( 1 ) مطلع : أي مصعد يصعد إليه من معرفة علمه ، وبكسر اللام : القوي العالي القاهر . ( انظر القاموس المحيط ) .

الارض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع « يعني بذلك ما يطلع عليه ويهجم عليه من أمر الله بعد وفاته . القول في الوجوه التي من قبلها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن قال أبو جعفر : قد قلنا في الدلالة على أن القرآن كله عربي ، أنه نزل بألسن بعض العرب دون ألسن جميعها ، وأن المسلمين اليوم ، ومصاحفهم التي هي بين أظرهم ، ببعض الالسن التي نزل بها القرآن دون جميعها ، وقلنا في البيان عما يحويه القرآن من النور والبرهان والحكمة والبيان ، التي أودعها الله إياه : من أمره ، ونهيه ، وحلاله ، وحرامه ، ووعده ، وعيده ، ومحكمه ، ومتشابهه ، ولطائف حكمه ، فما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه . ونحن قائلون في البيان عن وجوه مطالب تأويله . قال الله ، جل ذكره وتقدست اسماؤه ، لنبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) : » وأنزل إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) ( 2 ) . وقال : « هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الالباب ) ( 3 ) . فقد تبين ببيان الله ، جل ذكره ، أن مما أنزل الله من القرآن على نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره - واجبه ( 4 ) ، وندبه ، وإرشاده - وصنوف نهيه ، ووظائق حقوقه ، وحدوده ، ومبالغ فرائضه ، ومقاديير اللازم بعض خلقه لبعض ، وما أشبه ذلك من أحكام آية التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لامته . وهذا وجه لا يجوز لاحد القول فيه إلا ببيان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، بتأويله ، بنص منه عليه ، أو بدلالة قد نصبها دالة أمته على تأويله .»
مقدمة 44

( 1 ) سورة النحل ، الآية : 44 .
( 2 ) سورة النحل ، الآية : 64 .
( 3 ) سورة آل عمران ، الآية : 7 .
( 4 ) في نسخة : « ونهيه » بدل « واجبه » .

وأن منه ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار ، وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة ، أوقات آتية ، كوقت قيام الساعة ، والنفخ في الصور ، ونزول عيسى ابن مريم ، وما أشبه ذلك ، فإن تلك أوقات لا يعلم أحد حدودها ، ولا يعرف أحد من تأويلها إلا الخبر بأشراطها ، لاستئثار الله بعلم ذلك على خلقه . وكذلك أنزل ربنا في محكم كتابه ، فقال : ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والارض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ( 1 ) . وكان نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) إذا ذكر شيئا من ذلك لم يدل عليه إلا بأشراطه دون تحديده بوقت ، كالذي روي عنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال لاصحابه إذ ذكر الدجال : « إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه ، وإن يخرج بعدي فالله خليفتي عليكم » ( 2 ) . وأما أشبه ذلك من الاخبار التي يطول باستيعابها الكتاب ، الدالة على أنه ( صلى الله عليه وسلم ) لم يكن عنده علم أوقات شئ منه ، بمقادير السنين والايام ، وأن الله جل ثناؤه إنما كان عرفه مجيئه بأشراطه ووقته بأدلته . وأن منه ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن ، وذلك إقامة إعرابه ، ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها ، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها ، فإن ذلك لا يجهله أحد منهم . وذلك كسامع منهم لو سمع تاليا يتلو : « وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) ( 3 ) لم يجهل أن معنى الافساد هو ما ينبغي تركه مما هو مضرة ، وأن الاصلاح هو ما ينبغي فعله مما منفعة ، وإن جهل المعاني التي جعلها الله إفسادا والمعاني التي جعلها الله إصلاحا . فالذي يعلمه ذو اللسان الذي بلسانه نزل القرآن من تأويل القرآن ، هو ما وصفت من معرفة أعيان المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها ، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون الواجب من أحكامها وصفاته وهيئاتها التي خص الله بعلمها »
مقدمة 45

( 1 ) سورة الاعراف ، الآية : 187 .
( 2 ) جزء من حديث طويل ، رواه من حديث النواس بن سمعان الكلابي : مسلم في الفتن حديث 110 . وأبو داود في الملاحم باب 14 . والترمذي في الفتن باب 59 . وابن ماجة في الفتن باب 33 . وأحمد في المسند ( ج 6 حديث 17646 ) .
( 3 ) سورة البقرة ، الآيتان : 11 و 12 .

نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) . فلا يدرك إلا ببيانه ، دون ما استأثر الله بعلمه دون خلقه . وبمثل ما قلنا من ذلك روي الخبر عن ابن عباس . 61 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا مؤمل ، قال : حدثنا سفيان ، عن أبي الزناد ، قال : قال ابن عباس : التفسير على أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله . قال أبو جعفر : وهذا الوجه الرابع الذي ذكره ابن عباس : من أن أحدا لا يعذر بجهالته ، معنى غير الابانة عن وجوه مطالب تأويله . وإنما هو خبر عن أن من تأويله ما لا يجوز لاحد الجهل به . وقد روي بنحو ما قلنا في بعض ذلك أيضا ، عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، خبر في إسناده نظر . 62 - حدثني يونس بن عبد الاعلى الصدفي ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سمعت عمرو بن الحارث ، يحدث عن الكلبي ، عن أبي صالح مولى أم هانئ ، عن عبد الله بن عباس ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « أنزل القرآن على أربعة أحرف : حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به ، وتفسير تفسره العرب ، وتفسير تفسره العلماء ، ومتشابه لا يعلمه إلا الله ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب » . ذكر بعض الاخبار التي رويت بالنهي عن القول في تأويل القرآن بالرأي 63 - حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي ، قال : حدثنا شريك ، عن عبد الاعلى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار » ( 1 ) . * - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا عبد الاعلى - هو ابن عامر الثعلبي - عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : « من قال القرآن برأيه ، أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار » . * - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا محمد بن بشر ، وقبيصة ، عن سفيان ، عن عبد الاعلى ، قال : حدثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار » . * - حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا الحكم بن بشير ، قال : حدثنا عمرو بن قيس الملائي ، عن عبد الاعلى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : « من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار » . * - حدثنا ابن حميد ، قال جرير ، عن ليث ، عن بكر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : « من تكلم في القرآن برأيه ، فليتبوأ مقعده من النار » ( 2 ) . 64 - وحدثني أبو السائب سلم بن جنادة السوائي ، قال : حدثنا حفص بن غياث ، عن الحسن بن عبيدالله ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر ، قال : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : أي أرض تقلني ( 3 ) ، وأي سماء تظلني ، إذا قلت في القرآن ما لا أعلم ؟ * - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن عبد الله بن مرة ، عن أبي معمر ، قال : قال أبو بكر الصديق : أي أرض تقلني ، أي سماء تظلني ، إذا قلت في القرآن برأيي أو بما لا أعلم ؟ قال أبو جعفر : وهذه الاخبار شاهدة لنا على صحة ما قلنا : من أن ما كان من تأويل آي القرآن الذي لا يدرك علمه إلا بنص رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، أو بنصبه الدلالة عليه ، فغير جائز لاحد القيل فيه برأيه ، بل القائل في ذلك برأيه وإن أصاب الحق فيه فمخطئ فيما كان من فعله بقيله فيه برأيه ، لان إصاتبه ليست إصابة موقن أنه محق ، وإنما هو إصابة خارص وظان ، والقائل في دين الله بالظن قائل على الله ما لم يعلم . وقد حرم الله جل ثناؤه ذلك في كتابه على عباده ، فقال : ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) ( 4 ) فالقائل في تأويل كتاب الله الذي لا يدرك علمه إلا ببيان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذي جعل الله إليه بيانه ، قائل بما لا يعلم ، وإن وافق قيله ذلك في تأويله ما أراد الله به من معناه ، لان القائل فيه بغير علم ، قائل على الله ما لا علم له به .
مقدمة 46

( 1 ) رواه الترمذي في تفسير القرآن باب 1 وصححه . ورواه الامام أحمد في المسند ( ج 1 حديث 2069 و 2429 و 2976 و 3025 ) .
( 2 ) هذا الحديث مكرر الاحاديث الاربعة التي سبقته ، ولكنه هنا موقوف على ابن باس ، وكذلك الحديث الذي قبله .
( 3 ) تقلني : تحملني .
( 4 ) سورة الاعراف ، الآية : 33 .

وهذا هو معنى الخبر ، الذي : 65 - حدثنا بن العباس بن عبد العظيم العنبري ، قال : حدثنا حبان بن هلال ، قال : حدثنا سهيل بن أبي حازم ، قال : حدثنا أبو عمران الجوني ( 1 ) ، عن جندب ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « من قال في القرآن برأيه فأصاب ، فقد أخطأ » ( 2 ) . يعني ( صلى الله عليه وسلم ) : أنه أخطأ في فعله ، بقيله فيه برأيه ، وإن وافق قيله ذلك عين الصواب عند الله ، لان قيله فيه برأيه ليس بقيل عالم أن الذي قال فيه من قول حق وصواب . فهو قائل على الله ما لا يعلم ، آثم بفعله ما قد نهي عنه وحظر عليه . ذكر بعض الاخبار التي رويت في الحض على العلم بتفسير القرآن ومن كان يفسره من الصحابة 66 - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي ، قال : سمعت أبي يعقوب يقول : حدثنا الحسين بن واقد ، قال : حدثنا الاعمش ، عن شقيق ، عن ابن مسعود ، قال : « كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن » . 67 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن أبي عبد الرحمن ، قال : حدثنا الذين كانوا يقرءوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعلموا بما فيها من العمل ، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا . 68 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا جابر بن نوح ، قال : حدثنا الاعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، قال : قال عبد الله : والذي لا إله غيره ، ما نزلت آية في كتاب الله ، إلا وأنا أعلم فيم نزلت ، وأين نزلت ، وأين أنزلت ! ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لاتيته ( 3 ) . 69 - وحدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ، قال : حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ،
مقدمة 47

( 1 ) في الاصل : « الجويني » والتصحيح من الترمذي .
( 2 ) رواه أبو داود في العلم باب 5 ، والترمذي في تفسير القرآن باب 1 .
( 3 ) رواه البخاري في فضائل القرآن باب 8 . ومسلم في فضائل الصحابة حديث 115 . واللفظ عندهما : « ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله تبلغه الابل لركبت إليه » .

عن الاعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، قال : كان عبد الله يقرأ علينا السورة ، ثم يحدثنا فيها ، ويفسرها عامة النهار . 70 - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الاعمش ، عن شقيق ، قال : استعمل علي ابن عباس على الحج ، قال : فخطب الناس خطبة ، لو سمعها الترك والروم لاسلموا ، ثم قرأ عليهم سورة النور ، فجعل يفسرها . 71 - وحدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا سفيان ، عن الاعمش ، عن أبي وائل شقيق بن سلمة ، قال : قرأ ابن عباس سورة البقرة ، فجعل يفسرها ، فقال رجل : لو سمعت هذا الديلم لاسلمت . 72 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا أبو يمان ، عن أشعث بن إسحاق ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ، قال : من قرأ القرآن ، ثم لم يفسره ، كان كالاعمى ، أو كالاعرابي . 73 - وحدثنا أبو كريب ، قال : ذكر أبو بكر بن عياش الاعمش ، قال : قال أبو وائل : ولي ابن عباس الموسم ، فخطبهم ، فقرأ على المنبر سورة النور ، والله لو سمعها الترك لاسملوا ، فقيل له : حدثنا به عاصم ! فسكت . * - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن إدريس ، قال : سمعت الاعمش ، عن شقيق ، قال : شهدت ابن عباس وولي الموسم ، فقرأ سورة النور على المنبر ، وفسرها ، لو سمعت الروم لاسلمت . قال أبو جعفر : وفي حث الله عز وجل عباده على الاعتبار بما في آي القرآن من المواعظ والتبيان ، بقوله جل ذكره ، لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) : ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ولتذكر أولوا الالباب ) ( 1 ) وقوله : ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون ) ( 2 ) وما أشبه ذلك من آي القرآن التي أمر الله عباده وحثهم فيها على الاعتبار بأمثال آي القرآن والاتعاظ بمواعظه ، ما يدل على أن عليهم معرفة تأويل ما لم يحجب عنهم تأويله من آيات ، لانه محال أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له ، ولا يعقل تأويله : اعتبر بما لا فهم لك به ولا معرفة من القيل والبيان ! إلا على معنى الامر بأن يفهمه ويفقهه ، ثم يتدبره ويعتبر به .
مقدمة 48

( 1 ) سورة ص ، الآية : 29 .
( 2 ) سورة الزمر ، الآيتان : 27 و 28 .

فأما قبل ذلك ، فمستحيل أمره بتدبره ، وهو بمعناه جاهل . كما محال أن يقال لبعض أصناف الامم الذين لا يعقلون كلام العرب ولا يفهمونه ، لو أنشدت قصيدة شعر من أشعار بعض العرب ، ذات أمثال مواعظ وحكم : اعتبر بما فيها من الامثال وادكر بما فيها من المواعظ ! إلا بمعنى الامر لها يفهم كلام العرب ومعرفته ، ثم الاعتبار بما نبهها عليه ما فيها من الحكم ، فأما وهي جاهلة بمعاني ما فيها من الكلام والمنطق ، فمحال أمرها بما دلت عليه معاني ما حوته من الامثال والعبر . وسواء أمرها بذلك ، وأمر بعض البهائم به ، إلا بعد العلم بمعاني المنطق والبيان الذي فيها . فكذلك ما في آي كتاب الله ، من العبر والحكم والامثال والمواعظ ، ولا يجوز أن يقال اعتبر بها ، إلا لمن كان بمعاني بيانه عالما ، وبكلام العرب عارفا ، وإلا بمعنى الامر - لمن كان بذلك منه جاهلا - أن يعلم معاني كلام العرب ، ثم يتدبره بعد ، ويتعظ بحكمه وصنوف عبره . فإذا كان ذلك كذلك ، وكان الله جل ثناؤه قد أمر عباده بتدبره وحثهم على الاعتبار بأمثاله ، كان معلوما أنه لم يأمر بذلك من كان بما يدل عليه آية ( 1 ) جاهلا . وأذا لم يجز أن يأمرهم بذلك إلا وهم بما يدلهم عليه عالمون ، صح أنهم بتأويل ما لم يحجب عنهم علمه من آيه الذي استأثر الله بعلمه منه دون خلقه ، الذي قد قدمنا صفته آنفا ، عارفون . وإذا صح ذلك ، فسد قول من أنكر تفسير المفسرين - من كتاب الله وتنزيله - ما لم يحجب عن خلقه تأويله . ذكر بعض الاخبار التي غلط في تأويلها منكروا القول في تأويل القرآن فإن قال لنا قائل : فما أنت قائل ، فيما : 74 - حدثكم به العباس بن عبد العظيم ، قال : حدثنا محمد بن خالد بن عثمة ، قال : حدثني جعفر بن محمد الزبيري ، قال : هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : ما كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يفسر شيئا من القرآن إلا آيا تعد ، علمهن إياه جبريل. * - حدثنا محمد بن يزيد الطرسوسي ، قال : أخبرنا معن ، عن جعفر ( 2 ) بن خالد ،
مقدمة 49

( 1 ) في الاصل : « اية » والصواب ما أثبتناه .
( 2 ) في نسخة : جبريل بدل جعفر . والصواب ما أثبتناه .

عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : لم يكن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يفسر القرآن إلا آيا تعد ، علمهن إياه جبريل عليه السلام . 75 - وحدثنا أحمد بن عبدة الضبي ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا عبيدالله بن عمر ، قال : لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون القول في التفسير ، منهم سالم بن عبد الله ، والقاسم بن محمد ، وسعيد بن المسيب ، ونافع . 76 - وحدثنا يونس ، قال : حدثنا بن وهب ، قال : أخبرني مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن ، قال : أنا لا أقول في القرآن شيئا . * - حدثنا يونس ، قال : حدثنا بن وهب ، قال : أخبرني مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن ، قال : أنا لا أقول في القرآن شيئت . * - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سعمت الليث ، يحدث عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيب ، أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن . 77 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حكام ، قال : حدثنا سفيان ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، قال : سألت عبيدة السلماني عن آية ، قال : عليك بالسداد ، فقد ذهب الذين علموا فيم نزل القرآن . * - حدثني يعقوب قال : حدثنا ، ابن علية ، عن أيوب وابن عون ، عن محمد ، قال : سألت عبيدة ، عن آية من القرآن ، فقال : ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أنزل القرآن ، اتق الله وعليك بالسداد . 78 - وحدثني يعقوب ، قال : حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، أن ابن عباس سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم فيها ، فأبى أن يقول فيها . 79 - حدثني يعقوب ، قال : حديثنا ابن علية ، عن مهدي بن ميمون ، عن الوليد بن مسلم ، قال : جاء طلق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله ، فسأله عن آية من القرآن ، فقال له : أحرج عليك إن كنت مسلما ، لما قمت عني ، أو قال أن تجالسني . 80 - حدثني عباس بن الوليد ، قال : أخبرني أبي ، قال : حدثنا عبد الله بن شوذب ، قال : حدثني يزيد بن أبي يزيد قال : كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام ، وكان أعلم الناس ، وإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع . 81 - وحدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : أخبرنا شعبة ، عن عمروا بن مرة ، قال : سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن ، فقال : لا تسألني عن آية من القرآن وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه شئ منه ، يعني عكرمة . 82 - وحدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا سعيد بن عامر ، عن شعبة ، عن عبد الله بن أبي السفر قال : قال الشعبي : والله ما من آية إلا وقد سألت عنها ، ولكنها الرواية عن الله . 83 - وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن صالح - يعني ابن مسلم - قال : حدثني رجل ، عن الشعبي ، قال : ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت : القرآن ، والروح ، والرأي . وما أشبه ذلك بالاخبار ( 1 ) . وقيل له : أما الخبر الذي روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئا إلا آيا تعد ، فإن ذلك مصحح ما قلنا من القول في الباب الماضي قبل ، وهو أن من تأويل القرآن ما لا يدرك علمه إلا ببيان الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) . وذكر يفصل جمل ما في آية من أمر الله ونهيه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وسائر معاني شرائع دينه ، الذي هو مجمل في ظاهر التنزيل ، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة ، لا يدرك علم تأويله إلا ببيان من عند الله ، على لسان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وما أشبه فلا يعلم أحد من خلق الله تأويل ذلك إلا ببيان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وما أشبه ذلك مما تحويه آي القرآن من سائر حكمه الذي جعل الله بيانه لخلقه إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، بتعليم الله إياه ذلك بوحيه إليه ، إما جبريل ، أو مع من شاء من رسله إليه . فذلك هو الآي التي كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يفسرها لاصحابه بتعليم جبريل إياه ، وهن لا شك آي ذوات عدد . ومن آي القرآن ما قد ذكرنا أن الله جل ثناؤه استأثر بعلم تأويله ، فلم يطلع على علمه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ، ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده وأنه لا يعلم تأويله إلا الله . فأما ما لا بد للعباد من علم تأويله ، فقد بين لهم نبيهم ( صلى الله عليه وسلم ) ببيان الله ذلك له بوحيه مع جبريل ، وذلك هو المعنى الذي أمره الله ببيانه لهم ، فقال له جل ذكره : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) ( 2 ) . ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) - أنه كان لا يفسر من القرآن شيئا إلا آيا تعد –
مقدمة 50

( 1 ) هذا آخر السؤال الذي بدأ قوله في الصفحة السابقة : « فإن قال لنا قائل : فما أنت قائل فيما . . . » .
( 2 ) سورة النحل ، الآية : 44 .

هو ما يسبق إليه أوهام أهل الغباء ، من أنه لم يكن يفسر من القرآن إلا القليل من آيه ، واليسير من حروفه ، كان إنما أنزل إليه ( صلى الله عليه وسلم ) الذكر ليترك للناس بيان ما أنزل إليهم لا ليبين لهم ما أنزل إليهم .
وفي أمر الله جل ثناؤه نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ببلاغ ما أنزل إليه ، وإعلامه إياه أنه إنما نزل إليه ما أنزل ليبين للناس ما نزل إليهم ، وقيام الحجة على أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد بلغ فأدى ما أمره الله ببلاغه وأدائه على ما أمر به ، وصحة الخبر عن عبد الله بن مسعود لقيله : « كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعلم معانيهن والعمل بهن » ما ينبئ عن جهل من ظن أو توهم أن معنى الخبر الذي ذكرنا عن عائشة عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئا إلا آيا تعد ، هو أنه لم يكن يبين لامته من تأويله إلا اليسير القليل منه . هذا مع ما في الخبر الذي روي عن عائشة من العلة التي في إسناده ، التي لا يجوز معها الاحتجاج به لاحد ممن علم صحيح سند الآثار وفاسدها في الدين ، لان راويه ممن لا يعرف في أهل الآثار ، وهو جعفر بن محمد الزبيدي . وأما الاخبار التي ذكرناها عنه من التابعيه بإحجامه عن التأويل ، فإن فعل من فعل ذلك منهم كفعل من أحجم منهم عن الفتيا في النوازل وعلمه بأن الله في كل نازلة وحادثة حكما موجودا ، بنص أو دلالة . فلم يكن إحجامه عن خائف أن لا يبلغ في اجتهاده ما كلف الله العلماء من عباده فيه . فكذلك معنى إحجام من أحجم عن القيل في تأويل القرآن وتفسيره من العلماء السلف ، إنما كان إحجامه عنه حذار أن لا يبلغ أداء ما كلف من إصابة صواب القول فيه ، لا على أن تأويل ذلك محجوب عن علماء الامة غير موجود بين أظهرهم . ذكر الاخبار عن بعض السلف فيمن كان من قدماء المفسرين محمودا علمه بالتفسير ومن كان منهم مذموما علمه بذلك 84 - حدثنا محد بن بشار ، قال : حدثنا وكيع ، قال : حدثنا سفيان ، عن سليمان ، عن مسلم ، قال : قال عبد الله : نعم ترجمان القرآن ابن عباس . * - وحدثني يحيى بن داود الواسطي ، قال : حدثنا إسحاق الازرق ، عن سفيان ، عن الاعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : نعم ترجمان القرآن ابن عباس . * - وحدثني محمد بن بشار ، قال : حدثنا جعفر بن عون ، قال : حدثنا الاعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله بنحوه . 85 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا طلق بن غنام ، عن عثمان المكي ، عن ابن أبي مليكة ، قال : رأيت مجاهدا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه ( 1 ) ، فيقول له ابن عباس : اكتب ! قال : حتى سأله عن التفسير كله . 86 - وحدثنا أبو كريب ، قل : حدثنا المحاربي ، ويونس بن بكير ، قالا : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن أبان بن صالح ، عن مجاهد ، قال : عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات ، من فاتحته إلى خاتمته ، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها . 87 - وحدثني عببدالله بن يوسف الجبيري ، عن أبي بكر الحنفي ، قال : سمعت سفيان الثوري ، يقول : إذا جاءك التفسير عن مجاهد ، فحسبك به . 88 - وحدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا سليمان بن أبو داود ، عن شعبة ، عن عبد الملك بن ميسرة ، قال : لم يلق الضحاك ابن عباس ، إنما لقي سعيد بن جبير بالري وأخذت عنه التفسير . 89 - وحدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا أبو داود ، عن شعبة ، عن مشاش ، قال : قلت للضحاك : سمعت من ابن عباس شيئا ؟ قال : لا . 90 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن إدريس ، قال : حدثنا زكريا : قال : كان الشعبي يمر بأبي صالح باذان ، فيأخذ بأذنه فيعركها ، ويقول : تفسر القرآن وأنت لا تقرأ القرآن ! . 91 - وحدثني عبيدالله بن أحمد بن شبويه ، قال : حدثنا علي بن الحسين بن واقد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا الاعمش ، قال : حدثني سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( والله يقضي بالحق ) ( 2 ) قال : قادر على أن يجزي بالحسنة ، وبالسيئة السيئة ( وإن الله هو السميع البصير ) ( 3 ) . قال الحسين : فقلت للاعمش : حدثني بن الكلبي ، إلا أنه
مقدمة 51

( 1 ) في الاصل « ومعه الواحد » ، ولا معنى لها . والتصحيح من تفسير ابن كثير في تفسيره للآية .
( 2 ) سورة غافر ، الآية : 20 .

قال : إن الله قادر أن يجزي بالسيئة السيئة وبالحسنة عشرا . فقال الاعمش : لو أن الذي عند الكلبي عندي ما خرج مني بحقير ( 1 ) ! ! 92 - وحدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : حدثنا علي بن حكيم الاودي ، قال : حدثنا عبد الله بن بكير ، عن صالح بن مسلم ، قال : مر الشعبي على السدي وهو يفسر ، فقال : لان يضرب على استك بالطبل ، خير لك من مجلسك هذا . 93 - وحدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : حدثني علي بن حكيم ، قال : حدثنا شريك ، عن مسلم بن عبد الرحمن النخعي : قال : كنت مع إبراهيم ، فرأى السدي : فقال : أما أنه يفسر تفسير القوم . 94 - حدثنا ابن البرقي ، قال : حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، قال : سمعت سعيد بن بشير ، يقول عن قتادة ، قال : ما أرى أحدا يجري مع الكلبي في التفسير في عنان ( 2 ) .
قال أبو جعفر : قد قلنا فيما مضى من كتابنا هذا في وجوه تأويل القرآن ، وأن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة : أحدها لا سبيل إلى الوصول إليه : وهو الذي استأثر الله بعلمه وحجب علمه عن جميع خلقه ، وهو أوقات ما كان من آجال الامور الحادثة التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة ، مثل وقت قيام الساعة ، ووقت نزول عيسى ابن مريم ، ووقت طلوع الشمس من مغربها ، والنفخ في الصور ، وما أشبه ذلك . والوجه الثاني : ما خص الله بعلم تأويله نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) دون سائر أمته ، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة ، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) لهم تأويله . والثالث منها : ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن ، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه ، لا يوصل إلى علم ذلك إلا من قبلهم . فإذا كان ذلك كذلك ، فأحق المفسرين بإصابة الحق في تأويل القرآن الذي علم تأويله للعباد السبيل ، أوضحهم حجة فيما تأول وفسر ، مما كان تأويله إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دون سائر أمته من أخبار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الثابة عنه ، إما من وجه النقل المستفيض فيما وجد فيه من ذلك عنه النقل
مقدمة 52

( 1 ) سيأتي هذا الاثر في تفسير الآية 20 من سورة غافر ، وفيه : « ما خرج مني إلا بحقير » .
( 2 ) أي لا يجاريه أحد . والعنان : سير اللجام الذي تمسك به الدابة ، وهو طاقان مستويان . ويقال : هما يجريان في عنان : إذا استويا في فضل أو غيره .

المستفيض ، إما من وجه نقل العدول الاثبات فيما لم يكن فيه عنه النقل المستفيض ، أو من وجه الدلالة المنصوبة على صحته ، وأوضحهم برهانا ( 1 ) فيما ترجم وبين من ذلك ، مما كان مدركا علمه من وجهة اللسان : إما بالشواهد من أشعارهم السائرة ، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة ، كائنا من كان ذلك المتأول والمفسر ، بعد أن لا يكون خارجا تأويله وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك عن أقوال السلف من الصحابة والائمة والخلف من التابعين وعلماء الامة . القول في تأويل أسماء القرآن وسوره وآيه قال أبو جعفر : إن الله تعالى ذكره سمى تنزيله الذي أنزله على نبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أسماء أربعة : منهن القرآن ، فقال في تسميته إياه بذلك في تنزيله : ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) ( 2 ) وقال : ( إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ) ( 3 ) . ومنهن الفرقان ، قال جل ثناؤه في وحيه إلى نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) يسميه بذلك : ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ) ( 4 ) . ومنهن الكتاب ، قال تبارك اسمه في تسميته إياه به : ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما ) ( 5 ) . ومنهن الكتاب ، قال تعالى ذكره في تسميته إياه به : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ( 6 ) . ولكل اسم من اسمائه الاربعة في كلام العرب معنى ووجه غير معنى الآخر ووجهه . فأما « القرآن » ، فإن المفسرين اختلفوا في تأويله ، الواجب أن يكون تأويله على قول ابن عباس : من التلاوة والقراءة ، وأن يكون مصدرا ، من قول القائل : قرأت القرآن ، كقولك « الخسران » من « خسرت » ، و « الغفران » من « غفر الله لك » ، و « الكفران » من « كفرتك » ، و « الفرقان » من « فرق الله بين الحق والباطل » . وذلك أن :
مقدمة 53

( 1 ) قول : « أوضحهم برهانا » معطوف على قوله : « وأوضحهم حجة » .
( 2 ) سورة يوسف ، الآية : 3 .
( 3 ) سورة النمل ، الآية : 76 .
( 4 ) سورة الفرقان ، الآية : 1 .
( 5 ) سورة الكهف ، الآيتان : 1 و 2 .
( 6 ) سورة الحجر ، الآية : 9 .

95 - يحيى بن عثمان بن صالح السهمي . حدثني ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( فإذا قرأناه ) ( 1 ) يقول : بيناه ، ( فاتبع قرآنه ) ( 1 ) ، يقول : اعمل به . ومعنى قول ابن عباس هذا : فإذا بيناه بالقراءة ، فاعمل بما بيناه لك بالقراءة . ومما يوضح صحة ما قلنا ، في تأويل حديث ابن عباس هذا ، ما : 96 - حدثني به محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي : قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عباس : ( إن علينا جمعه وقرآنه ) ( 2 ) قال : أن نقرئك فلا تنسى ، ( فإذا قرأناه ) ( 1 ) عليك ( فاتبع قرآنه ) ( 1 ) يقول : إذا تلي عليك فاتبع ما فيه . قال أبو جعفر : فقد صرح هذا الخبر عن ابن عباس أن معنى القرآن عنده القراءة ، فإنه مصدر من قول القائل : قرأت ، على ما قلناه . وأما على قول قتادة ، فإن الواجب أن يكون مصدرا ، من قول القائل : قرأت الشئ ، إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض ، كقولك : « ما قرأت هذه الناقة سلى ( 3 ) قط » ، تريد بذلك أنها لم تضم رحما على ولد ، كما قال عمرو بن كلثوم التغلبي : تريك إذا دخلت على خلاء * وقد أمنت عيون الكاشحينا ( 9 ) ذراعي عيطل أدماء بكر * هجان اللون لم تقرأ جنينا ( 5 ) يعني بقوله : لم تقرأ جنينا : لم تضمم رحما على ولد . وذلك أن : 97 - بشر بن معاذ العقدي حدثنا ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ، في قوله تعالى : ( إن علينا جمعه وقرآنه ) ( 2 ) يقول : حفظه وتأليفه ، ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) ( 1 ) يقول : اتبع حلاله واجتنب حرامه . * - حدثنا محمد بن عبد الاعلى الصنعاني ، قال حدثنا محمد بن ثور ، قال : حدثنا معمر ، عن قتادة ، بمثله . فرأى قتادة أن تأويل القرآن : التأليف .
مقدمة 54

( 1 ) سورة القيامة ، الآية : 18 .
( 2 ) سورة القيامة ، الآية : 17 .
( 3 ) السلى : غشاء رقيق يحيط بالجنين ويخرج معه من بطن أمه .
( 4 ) الكاشح : العدو المضمر العداوة المعرض عنك بكشحه . على خلاء على غرة وهي خالية متبذلة . ( 5 ) العيطل : الطويل العنق ، يقال امرأة عيطل : طويلة العنق في حسن منظر وسمن . والادماء : البيضاء مع سواد المقلتين . هجان اللون : بيضاء كريمة .

قال أبو جعفر : ولكلا القولين ، أعني قول ابن عباس وقول قتادة اللذين حكيناهما ، وجه صحيح في كلام العرب . غير أن أولى قوليهما بتأويل قول الله تعالى : ( إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) ( 1 ) قول ابن عباس ، لان الله جل ثناؤه أمر نبيه في غير آية من تنزيله باتباع ما أوحى إليه ، ولم يرخص له في ترك ابتاع شئ من أمره إلى وقت تأليفه القرآن . فكذلك قوله : في تنزيله . ولو وجب أن يكون معنى قوله : ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) ( 2 ) : فإذا ألفناه فاتبع ما ألفنا لك فيه ، لوجب أن لا يكون كان لزمه فرض : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ( 3 ) ولا فرض : ( يا أيها المدثر قم فأنذر ) ( 4 ) قبل أن يؤلف إلى ذلك غيره من القرآن . وذلك إن قاله قائل خروج من قول أهل الملة . وإذا صح أن حكم كل آية من آي القرآن كان لازما النبي ( صلى الله عليه وسلم ) اتباعه والعمل به ، مؤلفة كانت إلى غيرها أو غير مؤلفة ، صح ما قال ابن عباس في تأويل قوله : ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) ( 2 ) أنه يعني به : فإذا بيناه لك بقراءتنا ، فاتبع ما بيناه لك بقراءتنا . دون قول من قال معناه : فإذا ألفناه فاتبع ما ألفناه . وقد قيل : إن قول الشاعر : ضحوا بأشمط عنوان السجود به * يقطع الليل تسبيحا وقرآن ا ( 5 ) يعني به قائله : تسبيحا وقراءة . فإن قال قائل : وكيف يجوز أن يسمى قرآنا بمعنى القراءة وإنما هو مقروء ؟ قيل كما جاز أن يسمى المكتوب كتابا ، بمعنى كتاب الكاتب ، كما قال الشاعر في صفته كتاب طلاق كتبه لامرأته : تؤمل رجعة مني وفيها كتاب مثل ما لصق الغراء
مقدمة 55

( 1 ) سورة القيامة ، الآيتان : 17 و 18 .
( 2 ) سورة القيامة ، الآية : 18 .
( 3 ) سورة القلم ، الآية : 1 .
( 4 ) سورة المدثر ، الآيتان : 1 و 2 .
( 5 ) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ( ص 244 ) من قصيدة يرثي بها عثمان بن عفان رضي الله عنه ، أولها : من سره الموت صرفا لا مزاج له * فليأت مأسدة في دار عثمانا وقوله : « العنوان » هو الاثر الذي يظهر فتستدل به على الشي .

يريد طلاقا مكتوبا ، فجعل المكتوب كتابا . وأما تأويل اسمه الذي هو « فرقان » فإن تفسير أهل التفسير جاء في ذلك بألفاظ مختلفة ، هي في المعاني مؤتلفة . فقال عكرمة ، فيما : 98 - حدثنا به ابن حميد ، قال حدثنا حكام بن سلم ، عن عنبسة ، عن جابر ، عن عكرمة أنه كان يقول : هو النجاة . وكذلك كان السدي يتأوله . 99 - حدثنا بذلك محمد بن الحسين ، قال حدثنا أحمد بن المفضل ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي . وهو قول جماعة غيرهما . وكان ابن عباس ، يقول : « الفرقان » : المخرج . 100 - حدثني بذلك يحيى بن عثمان ( 1 ) بن صالح ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس . وكذلك كان مجاهد يقول في تأويله . 101 - حدثنا بذلك ابن حميد ، قال : حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن جابر ، عن مجاهد . وكان مجاهد يقول في قول الله عز وجل : ( يوم الفرقان ) ( 2 ) يوم فرق الله فيه بين الحق والباطل . 102 - حدثني بذلك محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثني أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمون ، عن ابن نجيح ، عن مجاهد . فكل هذه التأويلات ، في معنى « الفرقان » - على اختلاف ألفاظها - متقاربات المعاني ، وذلك أن من جعل له مخرج من أمر كان فيه فقد جعل له ذلك المخرج منه نجاة ، وكذلك إذا نجي منه ، فقد نصر على من بغاه فيه سوءا ، وفرق بينه وبين باغيه السوء . فجميع ما روينا عمن روينا عنه في معنى « الفرقان » قول صحيح المعنى ، لاتفاق معاني ألفاظهم في ذلك . وأصل الفرقان عندنا : الفرق بين الشيئين والفصل بينهما ، وقد يكون ذلك بقضاء واستنقاذ وإظهار حجة ، ونصر ، وغير ذلك من المعاني المفرقة بين المحق والمبطل . فقد
مقدمة 56

( 1 ) في نسخة : عمر بدل عثمان .
( 2 ) سورة الانفال ، الآية : 41 .

تبين بذلك أن القرآن سمي فرقانا لفصله بحجته وأدلته وحدوده وفرائضه وسائر معاني حكمه ، بين المحق والمبطل . وفرقانه بينهما : بنصره المحق وتخذيله المبطل ، حكما وقضاء . وأما تأويل اسمه الذي هو « الكتاب » ، فهو مصدر من قولك : كتبت كتابا ، كما تقول : قمت قياما ، وحسبت الشئ حسابا . والكتاب هو خط الكتاب حروف المعجم مجموعة ومتفرقة ، وسمي كتاب ، وإنما هو مكتوب ، كما قال الشاعر في البيت الذي استشهدنا به : . . . . . . . . . . وفيها * كتاب مثل ما لصق الغراء يعني مكتوبا . وأما تأويل اسمه الذي هو « الذكر » ، فإنه محتمل معنيين : أحدهما أنه ذكر من الله جل ذكره ، ذكر بن عباده ، فعرفهم فيه حدوده وفرائضه وسائر ما أودعه من حكمه . والآخر : أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به وصدق بما فيه ، كما قال جل ثناؤه : ( وإنه لذكر لك ولقومك ) ( 1 ) يعني به أنه شرف له ولقومه . ثم لسور القرآن أسماء سماها بها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : 103 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا أبو العوام ، وحدثني محمد بن خلف العسقلاني ، قال : حدثنا داود بن الجراح ، قال : حدثنا سعيد بن بشر جميعا عن قتادة ، عن أبي المليح ، عن واثلة بن الاسقع ، أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « أعطيت مكان التوراة السبع الطوال ، وأعطيت مكان الزبور المئين ، وأعطيت مكان الانجيل المثاني وفضلت بالمفصل » ( 2 ) . 104 - وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « أعطيت السبع الطوال مكان التوراة ، وأعطيت المثاني مكان الزبور ، وأعطيت المئين مكان الانجيل ، وفصلت بالمفصل » ( 3 ) .
مقدمة 57

( 1 ) سورة الزخرف ، الآية : 44 .
( 2 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 6 حديث رقم 16979 ) .
( 3 ) هذا الحديث مرسل .

قال خالد : كانوا يسمون المفصل : العربي : قال خالد : قال بعضهم : ليس في العربي سجدة . 105 - وحدثنا محمد بن حميد ، قال : حكام بن سلم ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن عاصم ، عن المسيب عن ابن مسعود ، قال : الطول كالتوراة ، والمئون ( 1 ) كالانجيل ، والمثاني كالزبور ، وسائر القرآن بعد فضل على الكتب . * - حدثني أبو عبيد الوصابي ، قال : حدثنا محمد بن حفص ، قال : أنبأنا أبو حميد ، حدثنا الفزاري عن ليث بن أبي سليم ، عن أبي بردة ، عن أبي الميلح ، عن واثلة بن الاسقع ، عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « أعطاني ربي مكان التوراة السبع الطول ، ومكان الانجيل المثاني ، ومكان الزبور المئين ، وفضلني بالمفصل » ( 2 ) . قال أبو جعفر : فالسبع الطول ( 3 ) : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والانعام ، والاعراف ، ويونس ، وفي قول سعيد بن جبير . 106 - حدثني بذلك يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا هشيم عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير . وقد روي عن ابن عباس ، قول يدل على موافقته قول سعيد هذا ، وذلك ما : 107 - حدثنا به محمد بن بشار ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، ويحيى بن سعيد ، ومحمد بن جعفر ، وسهل بن يوسف ، قالوا : حدثنا عوف ، قال : حدثني يزيد الفارسي ، قال : حدثني ابن عباس ، قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم على أن عمدتم إلى الانفال وهي من المثاني ، وإلى براءة وهي من المئين ، فقرنتم بينهما ولمن تكتبوا سطرا بسم الله الرحمن الرحيم ، ووضعتموها في السبع الطول ؟ ما حملكم على ذلك ؟ قال عثمان : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد ، فكان إذا نزل عليه الشئ دعا ببعض من كان يكتب ، فيقول : « ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا » ، وكانت الانفال من أوئل ما نزلت بالمدينة ، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، فظننت أنها منها ، فقبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولم
مقدمة 58

( 1 ) كانت في الاصل : « والمئين » وهو مجاف للغة . والمئون : دون الطول وفوق المفصل والمثاني أقل من المئين . ( ص ) .
( 2 ) انظر تخريجه في الحديث ( 104 ) .
( 3 ) الطول : جمع الطولى .

يبين لنا أنها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بيهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ، ووضعتهما في السبع الطول ( 1 ) . فهذا الخبر ينبئ عن عثمان بن عفان رحمة الله عليه ، أنه لم يكن تبين له أن الانفال وبراءة من السبع الطوال ، ويصرح عن ابن عباس أنه لم يكن يرى ذلك منها . وإنما سميت هذه السور السبع الطول ، لطولها على سائر سور القرآن . وإما « المئون » ، فهي ما كان من سور القرآن عدد آية مائة آية ، أو تزيد عليها شيئا أؤ تنقص منها يسيرا . وأما « المثاني » : فإنها ما ثنى المئين فتلاها ، وكان المئون لها أوئل ، وكان المثاني لها ثواني ، وقد قيل : إن المثاني سميت مثاني ، لتثنية ( 2 ) الله جل ذكره فيها الامثال والخبر والعبر ، وهو قول ابن عباس . 108 - حدثنا بذلك أبو كريب ، قال : حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن عبد الله بن عثمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس . وروي عن سعيد بن جبير ، أنه كان يقول : إنما سميت مثاني لانها ثنيت فيها الفرائض والحدود . 109 - حدثنا بذلك محمد بن بشار ، قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير . وقد قال جماعة يكثر تعدادهم : القرآن كله مثان . وقال جماعة أخرى : بل المثاني فاتحة الكتاب ، لانها تثنى قراءتها في كل صلاة . وسنذكر أسماء قائلي ذلك وعللهم ، والصواب من القول فيما اختلفوا فيه من ذلك إذا انتهينا إلى تأويل قوله تعالى : ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني ) ( 3 ) إن شاء الله ذلك . وبمثل ما جاءت به الرواية عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في أسماء سور القرآن التي ذكرت ، جاء شعر شعراء ، فقال بعضهم :
مقدمة 59

( 1 ) رواه أبو داود في الصلاة ، باب من جهر بها ( أي البسملة ) . والترمذي في تفسير القرآن ( تفسير سورة التوبة ، باب 1 ) . وأحمد في المسند ( ج 1 حديث 399 و 499 ) .
( 2 ) في نسخة لتبيين .
( 3 ) سورة الحجر ، الآية : 87 .

حلفت بالسبع اللواتي طولت * وبمئين بعدها قد أمئيت ( 1 ) وبمثان ثنيت فكررت * وبالطواسين قد ثلثت ( 2 ) وبالحواميم اللواتي سبعت * وبالمفصل اللواتي فصلت ( 3 ) قال أبو جعفر رحمة الله عليه : وهذه الابيات تدل على صحة التأويل الذي تأولناه في هذه الاسماء . وأما « المفصل » : فإنها سميت مفصلا لكثرة الفصول التي بين سورها ب‍ « بسم الله الرحمن الرحيم » . قال أبو جعفر : ثم تسمى كل سورة من القرآن سورة ، وتجمع سورا ، على تقدير خطبة وخطب ، وغرفة وغرف . والسورة بغير همز : المنزلة من منزال الارتفاع . ومن ذلك سور المدينة ، سمي بذلك الحائط الذي يحويها لارتفاعها على ما يحويه . غير أن السورة من سور المدينة لم يسمع في جميعها « سور » ، كما في جمع سورة من القرآن « سور » . قال العجاج في جمع السورة من البناء : فرب ذي سرادق محجور * سرت إليه في أعالي السور ( 4 ) فخرج بتقدير جيمعها على تقدير جمع برة وبسرة ، لان جمع ذلك « بر » و « بسر » . وكذلك لم يسمع في جميع سورة من القرآن سور ، ولو جمعت كذلك لم يكن خطأ في القياس ، إدا أريد به جميع القرآن . وإنما تركوا فيما يرى جمعه كذلك لان كل جمع كان بلفظ الواحد المذكور ، مثل بر وشعير وقصب وما أشبه ذلك ، فإن جماعه كالواحد من الاشياء غيره ، ثم جعلت الواحدة منه كالقطعة من جميعه ، فقيل « برة » و « شعيرة » و « قصبة » ، يراد به قطعة منه . ولم تكن سور القرآن موجودة مجتمعة اجتماع البر والشعير وسور المدينة ، بل كل سورة موجودة منفردة بنفسها انفراد كل غرفة من الغرف ، وخطبة من الخطب ، فجعل جميعها جمع الغرف والخطب ، المبني جميعها من واحدها . ومن الدلالة على أن معنى السورة المنزلة من الارتفاع ، قول نابغة بني ذبيان :
مقدمة 60

( 1 ) أمئيت : أكملت عدته حتى بلغت المئة .
( 2 ) يعني بالطواسين التي ثلثت : طلسم الشعراء ، وطس النمل ، وطسم القصص .
( 3 ) الحواميم التي سبعت : غافر ، وفصلت ، والشورى ، والزخرف ، والدخان ، والجاثية ، والاحقاف .
( 4 ) السرادق : ما يحيط بالشئ . ويشتمل عليه من مضرب أو خباء أو بناء . والمحجور : المحرم الممنوع وسرت ( بضم السين ) : من قولهم : سار الحائط : إذا علاه وتسلقه .

ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب ( 1 ) يعنى بذلك : أن الله أعطاه منزلة من منازل الشرف التي قصرت عنها منازل الملوك . وقد همز بعضهم السورة من القرآن وتأويلها في لغة من همزها : القطعة التي قد أفضلت من القرآن عما سواها وأبقيت ، وذلك أن سؤر كل شئ البقية منه تبقى بعد الذي يؤخذ منه ، ولذلك سميت الفضلة من شراب الرجل يشربه ثم يفضلها فيبقيها في الاناء « سؤرا » . ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة يصف امرأة فارقته فأبقت في قلبه من وجدها بقية : فبانت وقد أسأرت في الفؤا * د صدعا على نأيها مستطيرا ( 2 ) وقال الاعشى في مثل ذلك : بانت وقد أسارت في النفس حاجتها * بعد ائتلاف وخير الود ما نفعا ( 3 ) وأما الآية من القرآن فإنها تحتمل وجهين في كلام العرب : أحدهما : أن تكون سميت آية لانها علامة يعرف بها تمام ما قبلها وابتداؤها ، كالآية التي تكون دلالة على الشئ يستدل بها عليه ، كقول الشاعر : ألكني إليها عمرك الله يا فتى * بآية ما جاءت إلينا تهاديا ( 4 ) يعني بعلامة ذلك . ومنه قوله جل ذكره : ( رنبا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لاولنا وآخرنا وآية منك ) ( 5 ) أي علامة منك لاجاتك دعاءنا وإعطائك إيانا سؤلنا . والآخر منهما : القصة ، كما قال كعب بن زهير بن أبي سلمى : ألا بلغ هذا المعرض آية * أيقظان قال القول إذ قال أم حلم يعني بقولخ آية : رسالة مني وخبرا عني . فيكون معنى الآيات : القصص ، قصة تتلو قصة بفصول ووصول .
مقدمة 61

( 1 ) يتذبذب : يضطرب ويحتار .
( 2 ) استطار الشق أو الصدع في الحائط أو الزجاجة : ظهر وامتد .
( 3 ) الائتلاف : الالفة والاجتماع .
( 4 ) البيت سيأتي في هذا الجزء ، ونسبه هناك لعبد بني الحسحاس . وقوله : « ألكني إليها » أي أبلغها رسالة مني ، من الالوك والمألكة : وهي الرسالة . التهادي : المشي بتمايل . ( 5 ) سورة المائدة ، الآية : 114 .


القول في تأويل أسماء فاتحة الكتاب قال أبو جعفر : صح الخبر عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، بما
مقدمة 62

( 1 ) رواه أحمد في المسند ( ج 3 حديث 9787 ) بلفظ : « قال في أم القرآن 6 هي أم القرآن وهي السبع المثاني وهي القرآن العظيم » .
( 2 ) أسمر : يعني رمحا أسمر القناة . قوام : يظل الليل قائما ساهرا . خفيف الثياب : يعني اللواء . الازر : الظهر .
( 3 ) أم : يعني اللواء ، ويقال اللواء وما لف على الرمح منه : أم الرمح . جماع أمور : تجمعها فتجتمع عليها .
( 4 ) البرزيق : المركب الضخم فيه جماعات الناس .

إنما سمت بذلك لان الارض دحيت منها ، فصارت لجميعها أما . ومن ذلك قول حميد بن ثور الهلالي : إذا كانت الخمسون أمك لم يكن * لدائك إلا أن تموت طبيب لان الخمسين جامعة ما دونها من العدد ، فسماها أما للذي قد بلغها . وأما تأويل اسمها أنها السبع ، فإنها سبع آيات ، لا خلاف بين الجميع من القرء والعلماء في ذلك . وإنما اختلفوا في الآي التي صارت بها سبع آيات . فقال أعظم أهل الكوفة : صارت سبع آيات ب‍ « بسم الله الرحمن الرحيم » ، وروي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والتابعين . وقال آخرون : هي سبع آيات ، وليس منهن « بسم الله الرحمن الرحيم » ، ولكن السابعة : ( أنعمت عليهم ) . وذلك قول أعظم قراء أهل المدينة ومتفقهيهم . قال أبو جعفر : وقد بينا الصواب من القول عندنا في ذلك في كتابنا : « اللطيف في أحكام شرائع الاسلام » ، بوجيز من القول . وسنستقصي بيان ذلك بحكاية أقوال المختلفين فيه ، من الصحابة والتابعين والمتقدمين والمتأخرين ، في كتابنا الاكبر : « في أحكام شرائع الاسلام » ، إن شاء الله ذلك . وأما وصف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) آياتها السبع بأنهن مثان ، فلانها تثنى قراءتها في كل صلاة تطوع ومكتوبة ، وكذلك كان الحسن البصري يتأول ذلك . 111 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، قال : سألت الحسن عن قوله : ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ) ( 1 ) قال : هي فاتحة الكتاب . ثم سئل عنها وأنا أسمع ، فقرأها : ( الحمد لله رب العالمين ) حتى أتى على آخرها ، فقال : تثنى في كل قراءة ، أو قال : في كل صلاة ، الشك من أبي جعفر . والمعنى الذي قلنا في ذلك قصد أبو النجم العجلي بقوله : الحمد لله الذي عافاني * وكل خير بعده أعطاني ( 2 ) من القرآن والمثاني
مقدمة 63

( 1 ) سورة الحجر ، الآية : 87 .
( 2 ) رواية لسان العرب ( مادة ثنى ) : « وكل خير صالح أعطاني » .

وكذلك قول الراجز الآخر : نشدتكم بمنزل الفرقان * أم الكتاب السبع من مثاني تبين من آي من القرآن * والسبع سبع الطول الدواني ( 1 ) وليس في وجود اسم السبع المثاني لفاتحة الكتاب ما يدفع صحة وجود اسم المثاني للقرآن كله ، ولما يثني من السور ، لان لكل ذلك وجها ومعنى مفهوما لا يفسد بتسمية بعض ذلك بالمثاني تسمية غيره فيها . فأما وجه تسمية ما ثنى المئين من سور القرآن بالمثاني ، فقد بينا صحته ، وسندل على صحة وجه تسمية جميع القرآن به عند انتهائنا إليه في سورة الزمر إن شاء الله . القول في تأويل الاستعاذة تأويل قوله ( أعوذ ) . قال أبو جعفر : والاستعاذة : الاستجارة ، وتأويل قول القائل « أعوذ بالله من الشيطان الرجيم » : أستجير بالله غيره من سائر خلقه من الشيطان ، أن يضرني في ديني ، أو يصدني عن حق يلزمني لربي . تأويل قوله : ( من الشيطان ) . قال أبو جعفر : والشيطان في كلام العرب ، كل متمرد من الجن والانس والدواب وكل شئ . وكذلك قال ربنا جل ثناؤه : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن ) ( 2 ) فجعل من الانس شياطين مثل الذي جعل من الجن . وقال عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ، وركب برذونا ، فجعل يتبختر به ، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترا ، فنزل عنه ، وقال : « ما حملتموني إلا على شيطان ! ما نزلت عنه أنكرت نفسي ! » . 112 - حدثنا بذلك يونس بن عبد الاعلى قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : خبرني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر . قال أبو جعفر : وإنما سمي المتمرد من كل شئ شيطانا ، لمفارقة أخلاقه وأفعاله
مقدمة 64

( 1 ) قوله : « تبين » كذا في الاصل ، ولا معنى لها ، ولعلها : « ثنين » .
( 2 ) سورة الانعام ، الآية : 112 .

أخلاق سائر جنسه وأفعاله وبعده من الخير . وقد قيل إنه أخذ من قول القائل : شنطت داري من دارك ، يريد بذلك بعدت . ومن ذلك قول النابغة بني ذبيان : نأت بسعاد عنك نوى شطون * فبانت والفؤاد بها رهين والنوى : الوجه الذي نوته وقصدته ، والشطون : البعد . فكأن الشيطان على هذا التأويل : فيعال من « شطن » . ومما يدل على أن ذلك كذلك قول أمية بن أبي الصلت : أيما شاطن عصاه عكاه * ثم يلقى في السجن والاكبال ( 1 ) ولو كان « فعلان » ، من شاط يشيط ، لقال : أيما شائط ، ولكنه قال : أيما شاطن ، لانه من شطن يشطن فهو شاطن . تأويل قوله : ( الرجيم ) . وأما الرجيم فهو فعيل بمعنى مفعول ، كقول القائل : كف خضيب ، لحية دهين ، ورجل لعين ، يريد بذلك : مخضوبة ، ومدهونة ، وملعون . وتأويل الرجيم : الملعون المشتوم . وكل مشتوم بقول ردئ أو سب فهو مرجوم . وأصل الرجم : الرمي بقول كان أو بفعل . ومن الرجم بالقول قول أبي إبراهيم لابراهيم صلوات الله عليه : ( لئن لم تنته لارجمنك ) ( 2 ) . وقد يجوز أن يكون قيل الشيطان رجيم ، لان الله جل ثناؤه طرده من سمواته ورجمه بالشهب الثواقب ( 3 ) . وقد روي عن ابن عباس ، أن أول ما نزل جبريل على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، علمه الاستعاذة . 113 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : أول ما نزل جبريل على محمد ، قال : يا محمد ! قل أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم . ثم قال : قل : بسم الله الرحمن الرحيم . ثم قال : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ( 4 ) قال عبد الله : وهي أول سورة أنزلها الله على محمد بلسان جبريل . فأمره أن يتعوذ بالله دون خلقه .
مقدمة 65

( 1 ) عكا الشئ عكوا : شده ، ويقال : عكا فلانا في الحديد . والاكبال : جيمع كبل ، وهو القيد من حديد .
( 2 ) سورة مريم ، الآية : 46 .
( 3 ) الشهب الثواقب : المضيئة المشتعلة .
( 4 ) سورة العلق ، الآية : 1 .


 
المساعدة
القرآن الكريم

 

الصوتيات والمرئيات

 

السنة المطهرة

 

برامج ضرورية

 

 
 
 
 
 

Comments - التعليقات

الاراء هنا لا تعبر بالضرورة عن راي الموقع

The Quraan in English , French , German , Italian , Spanish , Feenish , Albanian , Chinese , Japanese , Indonesian or Hausa


ركب تولبار القرآن الكريم 3.0

حماية الخصوصية جزى الله خيراً كل من ساهم او شارك أو صمم في هذا الموقع،  الحقوق متاحة لجميع المسلمين.. - علم القرآن الكريم  -  /2008 -  الي ما شاء الله  


قائمة التحكم

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

صفحة


إظهار صورة المصحف



خطوط القرآن