الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب أكبر كتابين في التفسير والتاريخ توفى عام 310هـ.
عدد الصفحات
:
604 عدى المقدمة
آخر تحديث
:
الخميس 23,محرم,1429 الموافق Thu 31,Jan,2008
لقد تم تقسيم كل كتب التفسير الي 604 صفحة بعدد صفحات القرآن الكريم (طبعة الملك فهد رحمه الله).
بسم الله الرحمن الرحيم ابن جرير الطبري وتفسيره جامع البيان عن تأويل آي القرآن مولده وحياته : هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري ، وقيل : يزيد بن كثير بن غالب : مؤرخ ، مفسر ، محدث ، مقرئ ، فقيه ، أصولي ، من أكابر الائمة المجتهدين . ولد في آمل عاصمة أقليم طبرستان فنسب إليها ، وطبرستان تقع جنوبي بحر قزوين في أواخر سنة 224 أو أول سنة 225 ه . ذكر أحمد بن كامل الشجري ( 1 ) أنه سأل الطبري : كيف وقع الشك في ذلك ؟ فقال : لان أهل بلدنا يؤرخون بالاحداث دون السنين ، فأرخ مولدي بحدث كان في البلد ، فلما نشأت سألت عن ذلك الحادث ، فاختلف المخبرون لي فقال بعضهم : كان ذلك في آخر سنة أربع ، وقال آخرون : بل كان في أول سنة خمس وعشرين ومائتين . تباشير علمه وفضله : حفظ القرآن وكتب الحديث وهو صغير . وروى الشجري عنه أنه حفظت القرآن ولي سبع سنين ، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين ، وكتبت الحديث وأنا ابن تسع سنين . وقال : رأى لي أبي في النوم أني بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكان معي مخلاة مملوءة حجارة ، وأنا أرمي بين يديه فقال له المعبر : إنه إن كبر نصح في دينه وذب عن شريعته ، فحوص أبي على معونتي في طلب العلم ، وأنا حينئذ صبي صغير . رحلاته العلمية : أول ما كتب ابن جرير الحديث بآمل ، ثم رحل إلى « الري » ( 2 ) وما جاورها ، فأخذ عن ( 1 ) قاض ، كان عالما بالاحكام والقرآن والادب والتاريخ ، ولي قضاء الكوفة ، وهو من أهل بغداد . توفي سنة 350 ه . ( 2 ) مدينة قديمة في شمال إيران . فيها ولد هارون الرشيد. مقدمة 1 محمد بن حميد الرازي ( 1 ) واختص به وأخذ مغازي ابن إسحاق عن سلمة بن المفضل وعليه بنى تاريخه ، وكتب عن أحمد بن حماد الدولابي ( 2 ) كتاب « المبتدأ » . قال أبو جعفر : « كنا نكتب عن محمد بن حميد الرازي ، فيخرج إلينا في الليل مرات ويسألنا عما كتبناه ويقرؤه علينا ، وكنا نمضي إلى أحمد بن حماد الدولابي ، وكان في قرية من قرى الري ، بينها وبين الري قطعة ، ثم نعود كالمجانين حتى نصير إلى محمد بن حميد ، فنلحق مجلسه . ثم رحل إلى بغداد ، وكان في نفسه ان يسمع من الامام أحمد بن حنبل ، ولكنه لم يكد يصل إليها ، حتى علم بوفاته ( سنة 241 ه ) قبل دخوله بقليل ، فأقام بها مدة ، وكتب عن شيوخها ، ثم انتقل إلى البصرة ، فسمع من كان بقي من شيوخها في وقته ، كأبي بكر محمد بن بشار المعروف ببندار ( 3 ) ومحمد بن عبد الاعلى الصنعاني وبشر بن معاذ وغيرهم . ثم رحل إلى الكوفة فكتب فيها عن إسماعيل بن موسى الفزاري ( 4 ) وهناد بن السري الدارمي الكوفي ( 5 ) ، وأبي كريب محمد بن العلاء الهمذاني ( 6 ) وأخذ عن سليمان بن خلاد السامري ( 7 ) القراءات . وكان أبو كريب شرس الخلق ، ومحدث البصرة في عصره ، قال أبو جعفر الطبري : » حضرت باب داره مع أصحاب الحديث ، فاطلع من باب خوخة له ، وأصحاب الحديث يلتمسون الحديث ويضجون ، فقال : أيكم يحفظ ما كتب عني ؟ فالتفت بعضهم إلى بعض ، ثم نظروا إلي وقالوا : أنت تحفظ ما كتبت عنه ؟ فقلت : نعم ! فقالوا : هذا ، فسله ، فقلت : حدثتنا يوم كذا بكذا ، وفي يوم كذا بكذا « . قال الشجري : وأخذ أبو كريب في مسألته إلى أن عظم في نفسه ، فقال له : ادخل إلي ، فدخل إليه ، وعرف قدره على حداثته ، ومكنه من حديثه ، وكان الناس يسمعون منه ، فيقال : إنه سمع من أبي كريب أكثر من مائة ألف حديث » . ( 1 ) حافظ للحديث ، أخذ عنه كثير من الائمة كابن حنبل وابن ماجة والترمذي ، وكذبه آخرون . ( 2 ) من الرواة ، ذكره الطبري في تاريخه في أخبار السنة 11 ه . ( 3 ) من حفاظ الحديث الثقات ، توفي سنة 252 ه . ( 4 ) محدث ، خر له أبو داود والترمذي ، توفي سنة 245 ه . ( 5 ) حافظ للحديث ، روى أصحاب الكتب الستة إلا البخاري . توفي سنة 243 ه . ( 6 ) محدث ثقة توفي سنة 248 ه . ( 7 ) نحوي ، مقرئ ، مات سنة 261 ه . مقدمة 2 ثم عاد الطبري إلى بغداد ودرس بها فقه الشافعي وعلوم القرآن . ومنها رحل إلى مصر سنة 253 ه ، فلم تطل إقامته فيها ، وعاد إلى الشام ، ثم دخل مصر سنة 256 ه ، وأخذ في الرحلتين عن جماعة من شيوخها منهم ، يونس بن عبد الاعلى ( 1 ) والربيع بن سليمان ( 2 ) وإسماعيل بن يحيى المزني ( 3 ) وغيرهم . واتفق أن جمعت الرحلة إلى مصر بين محمد بن جرير الطبري ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ( 4 ) ومحمد بن نصر المروزي ( 5 ) ومحمد بن هارون الروياني ( 6 ) ، قال الخطيب البغدادي : « فأرملوا ولم يبق عندهم ما يقوتهم ، وأضر بهم الجوع ، فاجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون إليه ، فاتفق رأيهم على أن يستهموا ويضربوا القرعة ، فمن خرجت عليه سأل لاصحابه الطعام ، فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة ، فقال لاصحابه : أمهلوني حتى أتوضأ وأصلي صلاة الخيرة . واندفع في الصلاة فإذا هم بالشموع ، وخصي من قبل والي مصر يدق الباب ، ففتحوا ، فنزل عن دابته ، وقال : أيكم محمد بن نصر ؟ فقيل : هو هذا ، فأخرج صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه ، ثم قال : أيكم محمد بن جرير ؟ فقالوا : هو ذا ، فأخرج صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه ، ثم قال : أيكم محمد بن هارون ؟ فقالوا : هو ذا ، فأخرج صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه ، ثم قال : أيكم محمد بن إسحاق بن خزيمة ؟ فقالوا : هو ذا يصلي ، فلما فرغ دفع إليه الصرة وفيها خمسون دينارا ، ثم قال : إن الامير كان قائلا بالامس ، فرأى في المنام خيالا ، قال : إن المحامد طووا كشحهم جياعا ، فأنفذ إليكم هذه الصرار ، وأقسم عليكم إذا نفذت فابعثوا إلي أمدكم » . وعاد أبو جعفر إلى بغداد بعد رحلة طويلة ، ومنها توجه إلى طبرستان ، ثم رجع إلى بغداد وانقطع للدرس والتأليف إلى أن مات يوم السبت بالعشي ، ودفن يوم الاحد بالغداة ، في داره لاربع بقين من شوال سنة عشر وثلاثمائة . وقيل : توفي في المغرب من عشية ( 1 ) محدث ، مقرئ ، من أكابر فقهاء الشافعية ، توفي سنة 264 ه . ( 2 ) كان إماما ثقة صاحب حلقة بمصر ، وهو صاحب الشافعي وآخر من روى عنه بمصر . مات سنة 270 ه . ( 3 ) صاحب الامام الشافعي ، وهو إمام الشافعيين ، توفي سنة 264 ه . ( 4 ) عالم بالحديث ، كان إمام نيسابور في عصره ، مات سنة 311 ه . ( 5 ) إمام أهل الحديث في عصره وأحد أئمة الاسلام مات سنة 294 ه . ( 6 ) من حفاظ الحديث الثقات ، توفي سنة 307 ه . مقدمة 3 الاحد ليومين بقيا من شوال ، ودفن وقد أضحى النهار من يوم الاثنين في جوار داره برحبة يعقوب . قال الخطيب : واجتمع عليه من لا يحصيهم عددا إلا الله ، وصلى على قبره عدة شهور ليلا ونهارا ، ورثاه خلق كثير من أهل الدين والادب . مرتبته العلمية : قال مواطنه وكاتب سيرته عبد العزيز بن محمد الطبري : كان أبو جعفر قد نظر في المنطق والحساب والجبر والمقابلة وكثير من فنون الحساب وفي الطب ، وأخذ منه قسطا وافر يدل عليه كلامه في الوصايا . . . وكان كالقارئ الذي لا يعرف إلا القرآن ، وكالمحدث الذي لا يعرف إلا الحديث ، وكالفقيه الذي لايعرف إلا الفقه ، وكالحاسب الذي لا يعرف إلا الحساب وكان عالما بالعبادات ، جامعا للعلوم ، إذا جمعت بين كتبه وكتب غيره وجدت لكتبه فضلا على غيرها ( 1 ) . قال الخطيب البغدادي : « كان أحد الائمة العلماء يحكم بقوله ، ويرجع إلى رأيه بمعرفته وفضله ، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره ، وكان حافظا لكتاب الله ، عارفا بالقراءات ، بصيرا بالمعاني ، فقيها في أحكام القرآن ، عالما بالسنن وطرقها ، وصحيحها وسقيمها ، وناسخها ومنسوخها ، عارفا فأقوال الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم من المخالفين في الاحكام ، ومسائل الحلال والحرام ، عارفا بأيام الناس وأخبارهم ، وله الكتاب المشهور في تاريخ الامم والملوك ، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله » . وقال أبو حامد الاسفراييني : « لو سافر رجل إلى الصين ، حتى يحصل له كتاب تفسير ابن جرير ، لم يكن ذلك كثيرا » . وقال أبو علي الاهوازي : « كان الطبري عالما بالفقه والحديث والتفسير والنحو واللغة والعروض ، له في جميع ذلك تصانيف فاق بها سائر المصنفين . . . » . وهذه الشهادة بين كثير مثلها كلها تجمع على فضله وتبريزه ، والاعجاب به ، وكتبه تغنيه عن شهادات الشهود وما بقي فيها يدل على أنه كان أفذاذ الموسوعيين في العالم وحسبنا من تواليفه تاريخه وتفسيره وقصة تأليفهما أدل منهما على عظمة فضله فقد أراد أن يخرج كل منهما في عشر أضعافه . ( 1 ) تاريخ بغداد ح 2 / 163 . مقدمة 4 الطبري المفسر علوم ثلاثة لا يذكر الطبري إلا مقرونا بها كلها : التفسير ، والتاريخ ، والفقه . وكتابه : ( جامع البيان عن تأويل آي القرآن ) كما سماه ، ألفه في أواخر القرن الثالث ، وذكر أنه أملاه على تلاميذه من سنة 283 - 290 ه . وقد حوى ابن جرير جميع تراث التفسير الذي تفرق قبله في كتب صغيرة منذ عصر عبد الله بن عباس - وهو أبو التفسير بالمأثور كما يلقب - وإلى النصف الاول من القرن الثالث الهجري . وروى الخطيب البغدادي أن الطبري قال لاصحابه : أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا : كم يكون قدره ؟ قال : ثلاثون ألف ورقة ، فقالوا : هذا مما ينفي الاعمار قبل تمامه ، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة ؟ وكتاب التفسير هذا لم يصنف أحد مثله . قال أبو حامد الاسفراييني : لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيرا . وقال ابن خزيمة ، وقد نظر في تفسير الطبري : قد نظرت فيه من أوله إلى آخره ، وما أعلم على أديم الارض أعلم من محمد بن جرير ( 1 ) . مصادر : الطابع المميز لتفسير الطبري اعتماده على المأثور عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وعلى آراء الصحابة والتابعين . ثم أضاف إلى التفسير بالمأثور ما عرف في عصره من نحو ولغة وشعر ، كما رجع إلى القراءات وتخير منها ، ورجح ما تخيره ، استعان بكتب الفقه فعرض كثيرا من آراء الفقهاء في مناسباتها ، واستعان بكتب التاريخ . . . فنقل عن ابن إسحاق وغيره ( 2 ) . ( 1 ) التاريخ 1 / 45 . ( 2 ) تاريخ بغداد ح 2 / 163 . مقدمة 5 عرض بعض آراء المتكلمين وبخاصة المعتزلة . . . ولم يكثر لانه سلفي الصبغة تحري جهده أن تكون مصادره في التفسير موثوقا بها لذلك لم يدخل في كتابه شيئا عن الكلبي ، ولا مقاتل ، ولا الواقدي لانهم في نظره متهمون . . . منهجه : لما كان اعتماده على التفسير بالمأثور هو الطابع المميز لتفسيره لذلك : 1 - اتبع طريقة الاسناد في سلاسل الروايات ، لذا كان تفسيره سجلا لما اثر من آثر من آراء ، وغالبا ما يلخص الفكرة العامة . . . ويعقب عليها بذكر الروايات التي قد تختلف في التفصيل والايجاز . 2 - وتجنب التفسير بالرأي : وعقد فصلا في كتابه ، ذكر فيه بعض الاخبار التي رويت بالنهي عن القول بالتفسير بالرأي ، والتزم هذا الاسلوب في كتابه . . . حيث أنحى باللائمة على القول بالرأي ومما يزيد ذلك ما جاء في تفسيره : فالقائل في تأويل كتاب الله الذي لا يدرك علمه إلا ببيان من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذي جعل إليه بيانه ، قائل بما لا يعلم وإن وافق قيله ذلك في تأويله ما أراد الله به من معناه ، لان القائل فيه بغير علم ، قائل على الله ما لا علم له ( 1 ) 3 - دقة الاسناد : كان رحمه الله أمينا دقيقا في ذكر السند وفي تسجيل اسماء الرواة ، لانه اتصل بكثير من العلماء وسمع منهم ، فإذا كان قد سمع هو وغيره قال : حدثنا . . . وإذا كان قد سمع وحده قال : حدثني . . . وإذا نسي واحدا من سلسلة الرواية صرح بنسيان اسمه ( 2 ) 4 - الاستعانة بعلم اللغة : هذا وقد مكنه علمه باللغة وأساليب استعمالها أن يفضل معنى للكلمة على معنى آخر تحتمله ، ومن ذلك قوله تعالى : ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا ) يعني بالبروج القصور . . . وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : هي قصور في السماء ، لان ذلك كلام العرب . منه ( ولو كنتم في بروج مشيدة ) ومنها قول الاخطل : ( 1 ) تفسير الطبري 1 / 27 . ( 2 ) الطبري للدكتور الخوفي 1 / 27 ، من سلسلة اعلام العرب رقم 13 . هكذا هو الاسم العلمي لتفسير الطبري كما سماه مؤلفه. مقدمة 6 كأنها برج رومي يشيده * بان بجص وآجر وأحجار ( 1 ) 5 - الاكثار من الاحاديث النبوية : وكان يكثر من الاحاديث النبوية ، لانه درس الحديث على كبار المحدثين في عصره ، وفي مقدمتهم علماء طبرستان . 6 - الاستشهاد بالشعر : وكثيرا ما اعتمد على الشعر في بيان المراد من الكلمة ، تارة يذكر اسم الشاعر وأخرى يغفله مكتفيا بالشعر . 7 - تسجيل القراءات : عرض وجوه القراءات ورجح ما ارتضاه لانه كان عالما بالقراءات ومؤلفها فيها . . وله أيضا عناية بتفصيل مذاهب النحاة في كثير من المواضع ليجلو المعنى . . . 8 - مناقشة الآراء الفقهية : للطبري كتاب اختلاف الفقهاء . . . فهو فقهي دارس للمذاهب كلها ، بل مجتهد صاحب مذهب اختاره لنفسه . . . ومن البداهة أن يعرض للآراء الفقهية ويناقشها في مناسباتها من آيات الاحكام . . . وينتهي في مناقشة كل منها إلى ما يستصوبه . . . وكان يعرض لآراء المتكلمين ويسميهم أهل الجدل ويناقشها ويصوب الرأي السلفي الذي يدين به . والادلاء برأيه بعد المناقشة سمة ظاهرة في تفسيره . . . فكان يرفض ويعلل لرفضه وكان يرجح ويدلل على ترجيحه . . . وكان يؤيد ويبرهن على تأييده . 9 - وإذا كان تفسير ابن جرير من أجل التفاسير ، بالمأثور وأعظمها قدرا ، فلم سمى كتابه جامع البيان عن تأويل أي القرآن ؟ ! ولم يستعمل كلمة تفسير بدل تأويل ؟ ! والجواب أن التأويل الذي يريده الطبري هو التفسير كما يتضح من خصائص تفسيره ، فاللفظان التفسير والتأويل مترادفين عنده ، وهما بمعنى الكشف عن ألفاظ القرآن والتوضيح لمعانيه ومراميه . فالتفسير لغة : كشف المراد عن اللفظ المشكل وأصله من الفسر ، وقيل هو مقلوب : السفر ، تقول : أسفر الصبح ، إذا أضاء . والتأويل من الايالة ، وهي السياسة ، كأن المؤول للكلام ، ساس الكلام ، ووضع ( 1 ) التفسير 19 / 19 . مقدمة 7 وقيل : التفسير أعم من التأويل . فالتفسير بيان العبارة القرآنية من مفردات وجمل بيانا كاشفا لحقيقة المعنى على حسب المتعارف عليه من أساليب العرب في كلامهم وخطابهم إما حقيقة وإما مجازا ، سواء كان المعنى متبادرا بالاستعمال ، كالتفسير الصراط ، أو غير متبادر كتفسير ( اخفهيما ) في قوله : ( اكاد اخفيها ) بمعنى اظهرها . والتأويل اجتهاد المفسر في ترجيح المقصود من المعاني المختلفة التي يحتملها اللفظ فكأن التأويل : اخبار عن حقيقة المراد كقوله تعالى : ( إن ربك لبالمرصاد ) ، إن تأويله التحذير من التهاون بأمر الله أو الوعيد ( لمن يخالف أمر الله ) بينما تفسير : ( لبالمرصاد ) أنه من ارصد ، يقال : أرصدته أي رقبته ، والمرصاد مفعال . . . 10 - بالجملة : فالطبري رأس المفسرين على الاطلاق ، وانه جمع في تفسيره بين الرواية والدراية ولم يشاركه في ذلك أحد قبله ولا بعده ( 1 ) . وإذا كان يؤخذ عليه أنه يذكر سلاسل الروايات من غير بيان وتمييز لصحيح هذه الروايات من ضعيفها فلانه على ما يظهر أنه من المؤلفين الذي يرون أن ذكر السند يخلي المؤلف من المؤاخذة والتبعة ولو لم ينص على درجة الرواية . وفاته : توفي سنة عشر وثلاث مائة وووري في قبره يوم الاحد وقت الظهر لسبع بقين من شوال رحمه الله ( 2 ) كثرة تآليفه : قال أبو محمد عبد الله بن أحمد الفرغاني صاحب ابن جرير : إن قوما من تلامذة ابن جرير حسبوا له منذ بلغ الحلم إلى أن مات ثم قسموا على تلك المدة أورق مصنفاته فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة ( 3 ) . ليس غريبا على إمام جليل ، مثل الامام الطبري أن يغرز انتاجه ، وان تكون وفرة هذا الانتاج ، على الاخص ، في العلوم الاسلامية . وفيما يلي أسماء بعض مصنفاته : ومؤلفاته : كما وردت في مصادر ترجمته : 1 - آداب المناسك ( ابن عساكر 8 : 352 ) . 2 - آداب النفوس ( ياقوت 17 : 18 ) . ( 1 ) طبقات المفسرين 30 . ( 2 ) طبقات القراء ح 2 / 108 . ( 3 ) امير ما وراء النهر ، وكان مقر الامارة السامانية في بخارى ، ولي الحكم سنة 350 وتوفي سنة 366 ه . مقدمة 8 3 - اختلاف علماء الامصار ( طبع ) . 4 - أحاديث غدير خم ( ياقوت 18 ) . 5 - البصير ( أو التبصير ) في علوم الدين . 6 - تهذيب الآثار وتفصيل الثابت من الاخبار . 7 - تاريخ الامم والملوك . 8 - الجامع في القراءات . 9 - ذيل المذيل . 10 - صريح السنة . 11 - كتاب العدد والتنزيل . 12 - كتاب الفضائل . 13 - مختصر الفرائض . 14 - المسند المجرد . 15 - لطيف القول في أحكام شرائع الاسلام . 16 ( عبارة الرؤيا ) لم يتمه . 17 - وهذا الكتاب الذي نقدم له جامع البيان عن تأويل آي القرآن . خطبة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي وعليه اعتمادي رب يسر . قرئ على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ، في سنة ست وثلاثمائة قال : الحمد لله الذي حجبت الالباب بدائع حكمه ، وخصت العقول لطائف حججه ، وقطعت عذر الملحدين عجائب صنعه ، وهتف في أسماع العالمين ألسن أداته ، شاهدة أنه الله الذي لا إله إلا هو ، الذي لا عدل ( 1 ) له معادل ، ولا مثل له مماثل ، ولا شريك له مظاهر ، ولا ولد له ولا والد ، ولم يكن له صاحبة ولا كفوا أحد . وأنه الجبار الذي خضعت لجبروته الجبابرة ، والعزيز الذي ذلت لعرته الملوك الاعزة ، وخشعت لمهابة سطوته ذوو المهابة ، وأذعن له جميع الخلق بالطاعة ، طوعا وكرها ، كما قال الله عز وجل : ( ولله يسجد من في السموات والارض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ) ( 2 ) . فكل موجود إلى وحدانيته داع ، وكل محسوس إلى ربوبيته هاد ، بما وسمهم به من آثار الصنعة ، من نقص وزيادة ، وعجز وحاجة ، وتصرف في عاهات عارضة ، ومقارنة أحداث لازمة ، لتكون له الحجة البالغة . ثم أردف ما شهدت به من ذلك أدلته ، وأكد ما استنارت في القلوب منه بهجته ، برسل ابتعثهم إلى من يشاء من عباده ، دعاة إلى ما اتضحت لديهم صحته ، وثبتت في العقول حجته ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) ( 3 ) ليذكر أولو النهى والحلم ، فأمدهم بعونه ، وأبانهم من سائر خلقه ، بما دل به على صدقهم من الادلة ، وأيدهم به من الحجج البالغة ، والآي المعجزة ، لئلا يقول القائل فيهم ( ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ) ( 4 ) . مقدمة 9 ( 1 ) العدل ( بكسر العين وفتحها وسكون الدال ) : النظير والمثيل . ( 2 ) سورة الرعد ، الآية : 15 . ( 3 ) سورة النساء ، الآية : 165 . ( 4 ) سورة المؤمنون ، الآيتان : 33 و 34 . فجعلهم سفراء بينه وبين خلقه ، وأمناء على وحيه ، واختصهم بفضله ، واصطفاهم برسالته . ثم جلعهم فيما خصهم به من مواهبه ، ومن به عليهم من كراماتة ، مراتب مختلفة ، ومنازل مفترقة ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، متفاضلات متباينات ، فكرم بعضهم بالتكليم ( 1 ) والنجوى ، وأيد بعضهم بروح القدس ، وخصه بإحياء الموتى ، وإبراء أولي العاهة والعمى ( 2 ) . وفضل نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) من الدرجات بالعليا ، ومن المراتب بالعظمى ، فحباه من أقسام ( 3 ) كرامته بالقسم الافضل ، وخصة من درجات النبوة بالحظ الاجزل ، ومن الاتباع والاصحاب بالنصيب الافر . وابتعثه بالدعوة التامة ، والرسالة العامة ، وحاطه وحيدا ، وعصمه فريدا ، من كل جبار عاند ( 4 ) ، وكل شيطان مارد ( 5 ) ، حتى أظهر به الدين ، وأوضح به السبيل ، وأنهج به معالم الحق ، ومحق به منار الشرك ، وزهق به الباطل ، واضمحل به الضلال وخدع الشيطان ، وعبادة الاصنام ، والاثان . مؤيدا بدلالة على الايام باقية ، وعلى الدهور والازمان ثابتة ، وعلى ممر الشهور والسنين دائمة ، ويزداد ضياؤها على كر الدهور إشراقا ، وعلى مر الليالي والايام ائتلاقا ، تخصيصا من الله له بها ، دون سائر رسله ، الذين قهرتهم الجبابرة ، واستذلتهم ( 8 ) الامم الفاجرة ، فعفت بعدهم منهم الآثار ، وأخملت ذكرهم الليالي والايام ، ودون من كان منهم مرسلا إلى أمة دون أمة ، وخاصة دون عامة ، وجماعة دون كافة . فالحمد لله الذي كرمنا بتصديقه ، وشرفنا باتباعه ، وجعلنا من أهل الاقرار والايمان به وبما دعا إليه وجاء به ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أزكى صلواته ، وأفضل سلامه ، وأتم تحياته . أما بعد ، فإن من جسيم ما خص الله به أمة نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) من الفضيلة ، وشرفهم به مقدمة 10 ( 1 ) يعني كليم الله موسى عليه السلام . ( 2 ) يعني المسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام . ( 3 ) الاقسام : جمع قسم ، وهو الحظ والنصيب من الخير . ( 4 ) الجبار العنيد والعاند : الجائر والمائل عن طريق الحق المجاوز حده . ( 5 ) المارد : الذي مرن على الشر حتى بلغ الغاية . ( 6 ) في نسخة وأبهج بدل وأنهج . ( 7 ) في نسخة قهر بهم بدل قهرتم . ( 8 ) في نسخة استذل بهم بدل استذلهم . على سائر الامم من المنازل الرفيعة ، وحباهم به من الكرامة السنية ، حفظه ما حفظ جل ذكره وتقدست أسماؤه عليهم من وحيه وتنزيله ، الذي جعله على حقيقة نبوة نبيهم ( صلى الله عليه وسلم ) دلالة ، وعلى ما خصه به من الكرامة علامة واضحة وحجة بالغة ، أبانه به من كل كاذب ومفتر ، وفصل به بينهم وبين كل جاحد وملحد ، وفرق به بينهم وبين كل كافر ومشرك ، الذي لو اجتمع جميع من بين أقطارها ، من جنها وإنسها ، وصغيرها وكبيرها ، على أن يأتوا بسورة من مثله ، لم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ( 1 ) . فجعله لهم في دجى الظلم نورا ساطعا ، وفي سدف ( 2 ) الشبه شهابا لامعا ، وفي معضلة المسالك دليلا هاديا ، وإلى سبل النجاة والحق حاديا ( يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) ( 3 ) . حرسه بعين منه لا تنام ، وحاطه بركن منه لا يضام ، لاتهي ( 4 ) على الايام دعائمه ، ولا تبيد على طول الازمان معالمه ، ولا يجور عن قصد المحجة ( 5 ) تابعة ، ولا يضل عن سبل الهدى مصاحبه . من اتبعه فاز وهدى ، ومن حاد عنه ضل وغوى . فهو موئلهم الذي عند الاختلاف يئلون ( 6 ) ، ومعقلهم الذي إليه في النوازل يعتقلون ( 7 ) ، وحصنهم الذي به من وساوس الشيطان يتحصنون ، وحكمة ربهم التي إليها يحتكمون ، وفصل قضائه بينهم الذي إليه ينتهون ، وعن الرضا به يصدرون ، وحبله الذي بالتمسك به من الهلكة يعتصمون . اللهم فوفقنا لاصابة صواب القول ، في محكمه ومتشابهه ، وحلاله وحرامه ، وعامه وخاصه ، ومجمله ومفسره ، وناسخه ومنسوخه ، وظاهره وباطنه ، وتأويل آيه ، وتفسير مشكله . وألهمنا التمسك به ، والاعتصام بمحكمه ، والثبات على التسليم لمتشابهه ، وأوزعنا الشكر على ما أنعمت به علينا ، من حفظه والعلم بحدوده ، إنك سميع الدعاء ، قريب الاجابة ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ، وسلم تسليما كثيرا . مقدمة 11 ( 1 ) تضمين لمعنى لما ورد في سورة البقرة الآية 23 ، ويونس الآية 38 ، والاسراء الآية 88 . ( 2 ) السدف : الظلمة . ( 3 ) سورة المائدة ، الآية : 16 . ( 4 ) يقال : وهى الحائط وغيره يهي وهيا ووهيا : تشقق وهم بالسقوط ( المعجم الوسيط 1016 ) . ( 5 ) المحجة : الطريق . ( 6 ) وأل يئل وألا ووؤولا : لجأ طلبا للنجاة . الموئل : الملجأ والمنجى . ( 7 ) لم أجد هذا الاشتقاق « يعتقلون » . ولعلها تصحيف : « يعقلون » من عقل إليه عقلا وعقولا : لجأ إليه وامتنع به . اعلموا عباد الله ، رحمكم الله ، أن أحق ما صرفت إلى علمه العناية ، وبلغت في معرفته الغاية ، ما كان لله في العلم به رضا ، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى ، وأن أجمع ذلك لباغيه ، كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد . ونحن - في شرح تأويله ، وبيان ما فيه من معانيه - منشؤون - إن شاء الله ذلك - كتابا مستوعبا لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه جامعا ، ومن سائر الكتب غيره في ذلك كافيا ، ومخبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة ، فيما اتفقت عليه الامة ، واختلافها فيما اختلفت فيه منه ، مبينو ( 1 ) علل كل مذهب من مذاهبهم ، وموضحو الصحيح لدينا من ذلك ، بأوجز ما أمكن من الايجاز في ذلك ، وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه . والله نسأل عونه وتوفيقه ، لما يقرب من محابه ، ويبعد من مساخطه ، وصلى الله على صفوته من خلقه ، وعلى آله ، وسلم تسليما كثيرا . وإن أول ما نبدأ به من القيل في ذلك ، الابانة عن الاسباب التي البداية بها أولى ، وتقديمها قبل ما عداها أحرى ، وذلك البيان عما في آي القرآن من المعاني ، التي من قبلها يدخل اللبس على من لم يعان رياضة العلوم العربية ، ولم تستحكم معرفته بتصاريف وجوه منطق الالسن السليقية الطبيعية . القول في البيان عن اتفاق معاني آي القرآن ومعاني منطق من نزل بلسانه من وجه البيان . والدلالة على أن ذلك من الله عز وجل وهو الحكمة البالغة ، مع الابانة عن فضل المعنى الذي به باين القرآن سائر الكلام . قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله : إن من عظيم نعم الله عباده ، وجسيم مننه على خلقه ، ما منحهم من فضل البيان ، الذي به عن ضمائر صدروهم يبينون ، وبه على عزائم نفوسهم يدلون ، فذلل ( 2 ) به منهم مقدمة 12 ( 1 ) في نسخة ومثبتو بدل ومبينو . ( 2 ) ذلل الشئ : لينه وسهله . الالسن ، وسهل به عليهم المستصعب . فيه إياه يوحدون ، وإياه به يسبحون ويقدسون ، وإلى حاجاتهم به يتوصلون ، وبه بينهم يتحاورون ، فيتعارفون ويتعاملون . ثم جعلهم - جل ذكره - فيما منحهم نم ذلك طبقات ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، فبين خطيب مسهب ، وذلق اللسان مهذب ( 1 ) ، ومفحم عن نفسه لا يبين ، وعي عن ضمير قلبه لا يعبر ، وجعل أعلاهم فيه رتبة ، وأرفعهم فيه درجة ، أبلغهم فيما أراد به بلاغا ، وأبينهم عن نفسه به بيانا . ثم عرفهم في تنزيله ومحكم آي كتابه فضل ما حباهم به من البيان ، على من فضلهم به عليه من ذي البكم والمستعجم ( 2 ) اللسان ، فقال تعالى ذكره : ( أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ) ( 3 ) . فقد وضح إذا لذوي الافهام ، وتبين لاولي الالباب ، أن فضل أهل البيان على أهل البكم والمستعجم اللسان ، بفضل اقتدار هذا من نفسه على إبانة ما أراد إبانته عن نفسه ببيانه ، واستعجام لسان هذا عما حاول إبانته ، فإذا كن ذلك كذلك ، وكان المعنى الذي به باين الفاضل المفضول في ذلك ، فصار به فاضلا والآخر مفضولا ، وهو ما وصفناه به من فضل إبانة ذي البيان عما قصر عنه المستعجم اللسان ، وكان ذلك مختلف الاقدار ، متفاوت الغايات والنهايات ، ولا شك أن أعلى منازل البيان درجة ، وأسنى مراتبه مرتبة ، أبلغه في حاجة المبين عن نفسه ، وأبينه عن مراد قائله ، وأقربه من فهم سامعه . فإن تجاوز ذلك المقدار ، ارتفع عن وسع الانام ، وعجز عن يأتي بمثله جميع العباد ، وكان حجة وعلما لرسل الواحد القهار ، وكما كان حجة وعلما لها إحياء الموتى وإبراء الابرص وذوي العمى ، بارتفاع ذلك عن مقادير ( 4 ) أعلى منازل طب المتطببين ، وأرف مراتب علاج المعالجين ، إلى ما يعجز عنه جميع العالمين . وكالذي كان لها حجة وعلما قطع مسافة شهرين في الليلة الواحدة ، بارتفاع ذلك عن وسع الانام ، وتعذر مثله على جميع العباد ، وإن كانوا على قطع القليل من المسافة قادرين ، ولليسير منه فاعلين . مقدمة 13 ( 1 ) الاسهاب : الاكثار في الكلام . وقوله « مهذب » : من أهذب الطائر في طيرانه والفرس في عدوه والمتكلم في كلامه : أسرع وتابع . ( 2 ) المستعجم والاعجم : الذي لا يقدر على الكلام . ( 3 ) سورة الزخرف ، الآية : 18 ( 4 ) المقادير : جمع مقدار ، وهو القوة . فإذا كان ما وصفنا من ذلك كالذي وصفنا ، فبين أن لا بيان أبين ، ولا حكمة أبلغ ، ولا منطق أعلى ، ولا كلام أشرف من بيان ومنطق تحدى به امرؤ قوما في زمان هم فيه رؤساء صناعة الخطب والبلاغة وقيل الشعر والفصاحة والسجع والكهانة ( على ) ( 1 ) كل خطيب منهم وبليغ وشاعر منهم وفصيح وكل ذي سجع وكهانة فسفه أحلامهم وقصر معقولهم ( 2 ) وتبرأ من دينهم ودعا إلى اتباعه والقبول منه والتصديق به والاقرار بأنه رسول إليهم من ربهم . وأخبرهم أن دلالته على صدق مقالته وحجته على معانيه معاني منطقهم . ثم أنبأ جميعهم أنهم عن أن يأتوا بمثل بعضه عجزة ومن القدرة عليه نقصة . فأقر جميعهم بالعجز وأذعنوا له بالتصديق وشهدوا على أنفسهم بالنقص إلا من تجاهل منهم وتعامى واستكبر وتعاشى فحاول تكلف ما قد علم أنه عنه عاجز ورام ما قد تيقن أنه عليه غير قادر . فأبدى من ضعف عقله ما كان مستورا ومن عي لسانه ما كان مصونا فأتى بما لا يعجز عنه الضعيف الاخرق والجاهل الاحمق فقال : « والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا فاخابزات خبزا والثاردات ثردا واللاقمات لقما ! ! » ( 3 ) ونحو ذلك من الحماقات الشبهة دعواه الكاذبة . فإن كان ذلك كذلك وكان غير مبين منا عن نفسه من خاطب غيره بما لا يفهمه عنه المخاطب كان معلوما أنه غير جائز أن يخاطب - جل ذكره - أحدا من خلقه إلا بما يفهمه المخاطب ولا يرسل إلى أحد منهم رسولا برسالة إلا بلسان وبيان يفهمه المرسل إليه لان المخاطب والمرسل إليه إن لم يفهم ما خوطب به وأرسل به إليه فحاله قبل الخطاب وقبل مجئ الرسالة إليه وبعده سواء إذ لم يفده الخطاب والرسالة شيئا كان به قبل ذلك جاهلا . والله - جل ذكره - يتعالى عن أن يخاطب خطابا أو يرسل رسالة لا توجب فائدة لمن مقدمة 14 ( 1 ) ما بين مربعين زيادة لايضاح المراد ليستقيم المعنى . ( 2 ) في نسخة : بعقولهم . ومعقولهم مصدر بمعنى عقل . ( 3 ) ينسب إلى مسيلمة الكذاب . وذكر ذلك الطبري وغيره في تواريخهم . خوطب أو أرسلت إليه لان ذلك فينا من فعل أهل النقص والعبث والله تعالى عن ذلك متعال لذلك قال جل ثناؤه في محكم تنزيله ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) ( 1 ) وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) ( 2 ) . فغير جائز أن يكون به مهتديا من كان بها يهدي إليه جاهلا . فقد تبين إذا بما عليه دللنا من الدلالة أن يكون رسول الله جل ثناؤه أرسله إلى قوم فإنما أرسله بلسان من أرسله إليه وكل كتاب أنزله على نبي ورسالة أرسلها إلى أمة فإنمام أنزله بلسان من أنزله أو أرسله إليه . واتضح بما قلنا ووصفنا أن كتاب الله الذي أنزله إلى نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) بلسان محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . وإذ كان لسان محمد ( صلى الله عليه وسلم ) عربيا فبين أن القرآن عربي وبذلك أيضا نطق محكم تنزيل ربنا فقال جل ذكره : ( إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) ( 3 ) وقال : ( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ) ( 4 ) . وإذا كانت واضحة صحة ما قلنا بما عليه استشهدنا من الشواهد ودللنا عليه من الدلائل فالواجب أن تكون معاني كتاب الله المنزل على نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لمعاني كلام العرب موافقة وظاهره لظاهر كلامها ملائما وإن باينه كتاب الله بالفضيلة التي فضل بها سائر الكلام والبيان بما قد تقدم وصفنا . فإذا كان ذلك كذلك فبين - إذ كان موجودا في كلام العرب والايجاز والاختصار والاجتزاء بالاختفاء من الاظهار وبالقلة من الاكثار في بعض الاحوال واستعمال الاطالة والاكثار والترداد والتكرار وإظهار المعاني بالاسماء دون الكناية عنها والاسرار في بعض الاوقات والخبر عن الخاص في المراد بالعام الظاهر وعن العدم في المراد بالخاص الظاهر وعن الكناية والمراد منه المصرح وعن الصفة والمراد الموصوف وعن الموصوف والمراد الصفة وتقديم ما هو في المعنى مؤخر وتأخير ما هو في المعنى مقدم والاكتفاء ببعض من بعض وبما يظهر عما يحذف وإظهار ما حظه الحذف - أن يكون ما في كتاب الله المنزل على نبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) من ذلك في كل ذلك له نظيرا وله مثلا وشبيها ونحن مبينو جميع ذلك في أماكنه إن شاء الله مقدمة 15 ( 1 ) سورة إبراهيم ، الآية : 4 ( 2 ) سورة النحل ، الآية : 64 . ( 3 ) سورة يوسف ، الآية : 2 . ( 4 ) سورة الشعراء ، الآيات : 192 - 195 . القول في بيان عن الاحرف التي اتفقت فيها ألفاظ العرب وألفاظ غيرها من بعض أجناس الامم قال أبو جعفر : إن سألنا سائل فقال : إنك ذكرت أنه غير جائز أن يخاطب الله أحدا من خلقه إلا بما يفهمه وأن يرسل إليه رساله إلا بللسان الذي يفقهه فما أنت قائل فيما : 1 - حدثكم به محمد بن حميد الرازي قال : حدثنا حكام بن سلم قال : حدثنا عنبسة عن أبي إسحاق عن أبي الاحوص عن أبي موسى : ( يؤتكم كفلين من رحمته ) ( 1 ) قال : الكفلان : الضعفان من الاجر بلسان الحبشة . وفيما : 2 - حدثكم به ابن حميد قال : حكام عن عنبسة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : ( إن ناشئة الليل ) ( 2 ) قال : بلسان الحبشة إذا قام الرجل من الليل قالوا : نشأ . وفيما : 3 - حدثكم به ابن حميد قال : حدثنا حكام قال : حدثنا عنبسة عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة : ( يا جبال أوبي معه ) ( 3 ) قال : سبحي بلسان الحبشة . قال أبو جعفر : وكل ما قلنا في هذا الكتاب « حدثكم » فقد حدثونا به وفيما : 4 - حدثكم به محمد بن خالد بن خداش الازدي قال : حدثنا سلم بن قتادة قال : حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله : ( فرت من فسورة ) . ( 4 ) قال : هو بالعربية : الاسد وبالفارسية : شار وبالنبطية : أريا وبالحبشية : قسورة . وفيما : 5 - حدثكم به ابن حميد ، قال حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال قالت قريش : لولا أنزل هذا القرآن أعجميا وعربيا ! فأنزل الله تعالى وذكره : ( ولو جعلناه قرآنا أعجميا قالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ) ( 5 ) فانزل الله بعد هذه في القران بكل لسان فيه : ( حجارة من مقدمة 16 ( 1 ) سورة الحديد ، الآية : 28 . ( 2 ) سورة المزمل ، الآية : ( 3 ) سورة سبأ ، الآية : 10 ( 4 ) سروة المدثر الآية : 51 ( 5 ) سورة فصلت آية : 44 سجيل ) ( 1 ) قال : فارسية أعربت « سنك وكل » . وفيما : 6 - حدثكم به محمد بن بشار قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال : في القرآن من كل لسان . وفيما أشبه ذلك من الاخبار التي يطول بذكرها الكتاب مما يدل على أن فيه من غير لسان ؟ ؟ قيل له : إن الذي قالوه من ذلك غير خارج من معنى ما قلنا من أجل أنهم لم يقولوا هذه الاحرف وما أشبهها لم تكن للعرب كلاما ، ولا كان ذاك لها منطقا قبل نزول القرآن ، ولا كانت بها العرب عارفة قبل مجئ الفرقان فيكون ذلك قولا لقولنا خلافا ( 2 ) . وإنما قال بعضهم : حرف كذا بلسان الحبشة معناه كذا وحرف كذا بلسان العجم معنا كذا ولم يستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الامم الختلفة الالسن بمعنى واحد فكيف بجنسين منها . كما قد وجدنا اتفاق كثير منه فيما قد علمناه من الالسن المختلفة وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقرطاس وغير ذلك مما يتعب إحصاؤه ويمل تعداده كرهنا إطالة الكتاب بذكره مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللفظ والمعنى . ولعل ذلك كذلك في سائر الالسن التي يجهل منطقها ولا يعرف كلامها . فلو أن قائلا قال فيما ذكرنا من الاشياء التي عددنا وأخبرنا اتفاقه في اللفظ والمعنى بالفارسية والعربية وما أشبه ذلك مما سكتنا عن ذكره ذلك كله فارسي لا عربي أو ذلك كله عربي لا فارسي أو قال : بعضه عربي وبعضه فارسي أو قال : كان مخرج أصله من عند العرب فوقع إلى العجم فنطقوا به أو قال : كان مخرج أصله من عند الفرس فوقع إلى العرب فأعربته كان مستجهلا ( 3 ) لان العرب ليست بأولى أن تكون كان مخرج أصل ذلك منها إلى العجم ولا العجم بأحق أن تكون كان مخرج أصل ذلك منها إلى العرب إذ كان استعمال ذلك بلفظ واحد ومعنى واحد موجودا في الجنسين وإن كان ذلك موجودا على ما وصفنا في الجنسين فليس أحد الجنسين أولى بأن يكون أصل ذلك كان من عنده من الجنس الآخر والمدعي أن مخرج أصل ذلك إنما كان من أحد الجنسين إلى الآخر مدع أمر لا يوصل إلى حقيقة صحته إلا بخبر يوجب العلم ويزيل الشك ويقطع العذر صحته . مقدمة 17 ( 1 ) سورة هود ، الآية : 82 ، وسورة الحجر ، الآية : 74 . ( 2 ) أي مخالفا . ( 3 ) قوله : « كان مستجهلا » جواب قوله : « فلو أن قائلا قال . . . الخ » . بل الصواب في ذلك عندنا أن يسمى عربيا أعجميا أو حبشيا عربيا إذ كانت الامتان له مستعملتين في بيانها ومنطقها وبيانها فليس غير ذلك من كلام كل أمة منهما بأولى أن يكون إليها منسوبا منه . فكذلك سبيل كل كلمة واسم اتفقت ألفاظ أجناس أمم فيها معناها ، ووجد ذلك مستعملا في كل جنس منها استعمال سائر منطقهم ، فسبيل إضافته إلى كل جنس منها سبيل ما وصفناه من الدرهم والدينار والدواة والقلم ، التي اتفقت ألسن الفرس والعرب فيها بالالفاظ الواحدة والمعنى الواحد في أنه مستحق إضافته إلى كل جنس من تلك الاجناس باجتماع وافتراق . وذلك هو معنى من روينا عنه القول في الاحرف التي مضت في صدر هذا الباب من نسبة بعضهم بعض ذلك إلى لسان الحبشه ونسبة بعضهم ذلك إلى لسان الفرس ، ونسبة بعضهم بعض ذلك إلى لسان الروم ، لان من نسب شيئا من ذلك إلى ما نسبه إليهم لم ينف بنسبته إياه ما نسبه إليه أن يكون عربيا ، ولا من قال منهم هو عربي نفى ذلك أن يكون مستحقا النسبة إلى من هو من كلامه من سائر أجناس الامم غيرها . وإنما يكون الاثبات دليلا على النفي فيما لا يجوز اجتماعه من المعاني كقول القائل : فلان قائم فيكون بذلك من قوله دالا على أنه غير قاعد ونحو ذلك مما يمتنع اجتماعه لتنافيهما . فأما ما جاز اجتماعه فهو خارج من هذا المعنى وذلك كقول القائل : فلان قائم مكلم فلانا ، فليس في تثبيت القيام له مادل على نفي كلام آخر لجواز اجتماع ذلك في حال واحد من شخص واحد فقائل ذلك صادق إذا كان صاحبه على ما وصفه به . فكذلك ما قلنا - في الاحرف التي ذكرنا وما أشبهها - غير مستحيل أن يكون عربيا بعضها أعجميا وحبشيا بعضها عربيا إذ كان موجودا استعمال ذلك في كلتا الامتين فناسب ما نسب من ذلك إلى إحدى الامتين أو كلتيهما محق غير مبطل . فإن ظن ذو غباء أن اجتماع ذلك في كلام مستحيل كما هو مستحيل في أنساب بني آدم فقد ظن جهلا وذلك أن أنساب بني آدم محصورة على أحد الطرفين دون الآخر ، لقوله الله تعالى ذكره : ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ) ( 1 ) وليس ذلك كذلك في المنطق والبيان لان المنطق إنما هو منسوب إلى من كان به معروفا استعماله . فلو عرف استعمال بعض الكلام في أجناس من الامم - جنسين أو أكثر - بلفظ واحد ، ومعنى واحد كان ذلك منسوبا إلى كل جنس من تلك الاجناس لا يستحق جنس منها أن يكون به أولى من سائر الاجناس غيره . كما لو أن أرضا بين سهل وجبل لها هواء السهل وهواء الجبل أو بين بر وبحر لها هواء البر وهواء البحر لم يمتنع ذو عقل صحيح أن يصفها بأنها سهلية جبلية أو بأنها برية بحرية إذ لم تكن نسبتها إلى إحدى صفتيها نافية حقها من النسبة إلى الاخرى . ولو أفرد لها مفرد إحدى صفتيها ولم يسلبها صفتها الاخرى كان صادقا محقا ، وكذلك القول في الاحرف التي تقدم ذكرنا لها أول الباب . وهذا المعنى الذي قلنا في ذلك هو معنى قول من قال : في القرآن من كل لسان عندنا . بمعنى - والله أعلم - أن فيه من كل لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الامم التي تنطق به نظير ما وصفنا من القول فيما مضى ، وذلك أنه غير جائز أن يتوهم على ذي فطرة صحيحة مقر بكتاب الله ، ممن قد قرأ القرآن وعرف حدود الله أن يعتقد أن بعض القرآن فارسي لا عربي وبعضه نبطي لا عربي وبعضه عربي لا فارسي وبعضه حبشي لا عربي بعد ما أخبر الله تعالى ذكره عنه أنه جعله قرآنا عربيا لان ذلك إن كان كذلك فليس قول القائل القرآن حبشي أو فارسي ولا نسبة من نسبه إلى بعض ألسن الامم التي بعضه بلسانه دون العرب بأولى بالتطول من قول القائل هو عربي ولا قول القائل هو عربي بأولى بالصحة والصواب من قول ناسبه إلى بعض الاجناس التي ذكرناها إذ كان الذي بلسان غير العرب من سائر ألسن أجناس الامم فيه نظير الذي فيه من لسان العرب . وإذا كان ذلك كذلك إذا خطأ قول من زعم أن القائل من السلف : في القرآن من كل لسان إنما عنى بقيله ذلك أن فيه من البيان ما ليس بعربي ولا جائزة نسبته إلى لسان العرب ويقال لمن أبى ما قلنا ممن زعم أن الاحرف التي قدمنا ذكرها في أول الباب وما أشبهها إنما هي كلام أجناس الامم سوى العرب وقعت إلى العرب فعربته : وما برهانك على صحة ما قلت في ذلك من الوجه الذي يجب التسليم له ؟ فقد علمت من خالفك في ذلك فقال فيه خلاف قولك وما الفرق بينك وبين من عارضك في ذلك فقال : هذه الاحرف وما إشبهها من الاحرف غيرها أصلها عربي غير أنها وقعت إلى سائر أجناس الامم غيرها فنطقت كل أمة منها ببعض ذلك بألسنتها من الوجه الذي يجب التسليم له ؟ فلن يقول في شئ من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله . فان اعتل في ذلك بأقوال السلف التي ذكرنا بعضها وما أشبهها طولب - مطالبتنا من تأول عليهم في ذلك تأويله - بالذي قد تقدم في بياننا . وقيل له : ما أنكرت أن يكون من نسب شيئا من ذلك منهم إلى من نسبه من أجناس الامم سوى العرب إنما نسبه إلى إحدى نسبتيه التي هو لها مستحق من غير نفي منه عنه النسبة الاخرى ؟ ثم يقال له : أرأيت من قال لارض سهلية جبلية هي سهلية ولم ينكر أن تكون جبلية أو قال : هي جبيلة ولم يدفع أن تكون سهلية أناف عنها أن تكون لها الصفة الاخرى بقيله ذلك ؟ فإن قال : نعم كابر عقله وإن قال : لا قيل له : فما أنكرت أن يكون قول من قال في سجيل هي فارسية وفي القسطاس هي رومية نظير ذلك ؟ وسئل الفرق بين ذلك فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله . القول في اللغة التي نزل بها القرآن من لغات العرب قال أبو جعفر : قد دللنا على صحة القول بما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه على إن الله ( 2 ) - جل ثناؤه - أنزل جميع القرآن بلسان العرب دون غيرها من ألسن سائر أجناس الامم وعلى فساد قول من زعم أن منه ما ليس بلسان العرب ولغتها . فنقول الآن : إذا كان ذلك صحيحا في الدلالة عليه بأي ألسن العرب أنزل ؟ أبألسن جميعها أم بألسن باليان متباينو المنطق والكلام . وإن كان ذلك كذلك وكان الله - جل ذكر - قد أخبر عباده أنه جعل القرآن عربيا وأنه أنزل بلسان عربي مبين ثم كان ظاهره محتملا خصوصا وعموما لم يكن لنا السبيل إلى العلم بما عنى الله تعالى ذكره من خصوصه وعمومه إلا ببيان من جعل إليه بيان القرآن وهو رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فإذا كان ذلك كذلك وكانت الاخبار قد تظاهرت عنه ( صلى الله عليه وسلم ) ، بما : 7 - حدثنا به خلاد بن أسلم قال : حدثنا أنس بن عياض عن أبي حازم عن أبي سلمة قال : لا أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « أنزل القرآن على سبعة » مقدمة 18 ( 1 ) سورة الاحزاب ، الآية : 5 . ( 2 ) كذا في جميع الاصول : « على أن الله » والاصوب أن تكون : « بأن الله » . أحرف فالمراء في القرآن كفر - ثلاث مرات - فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه « ( 1 ) . 8 - وحدثني عبيد بن أسباط بن محمد قال : حدثنا أبي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : » أنزل القرآن على سبعة أحرف عليم حكيم غفور رحيم « ( 2 ) . * - وحدثنا أبو كريب قال : حدثني عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مثله . 9 - وحدثنا محمد بن حميد الرازي قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد عن مغيرة عن واصل بن حيان عمن ذكره عن أبي الاحوص عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : » أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل حرف منها ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع « ( 4 ) . * - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا مهران قال : حدثنا سفيان عن إبراهيم الهجري عن أبي الاحوص عن عبد الله بن مسعود عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مثله . 10 - حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء قال : حدثنا أبو بكر بن عياش قال : حدثنا عاصم عن زر عن عبد الله قال : اختلف رجلان في سورة فقال هذا : أقرأني النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقال هذا : أقرأني النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . فأتي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبر بذلك قال : فتغير وجهه وعنده رجل فقال : » اقرءوا كما علمتم « - فلا أدري أبشئ أمر أم بشئ ابتدعه من قبل نفسه - » فإنما أهلك من كان قبلكم اختلافهم على أنبيائهم « ( 5 ) . وقال : فقال م كل رجل منا وهو لا يقرأ على قراءة صاحبه . نحو هذا ومعناه .» مقدمة 19 ( 1 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 3 حديث 799 - طبعة دار الفكر ) . ( 2 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 3 حديث 8398 ) . ( 3 ) في نسخة جهير . ( 4 ) مطلع الحديث « أنزل القرآن على سبعة أحرف » دون الزيادة التالية له هنا ، رواه البخاري في الخصومات وبدء الخلق وفضائل القرآن والاستتابة والتوحيد . ومسلم في المسافرين . وأبو داود في الوتر . والترمذي في القرآن . والنسائي في الافتتاح . ومالك في القرآن . وأحمد في مسنده في غير موضع . والحديث المذكور هنا رواه بتمامه السيوطي في الجامع الصغير ( حديث رقم 2727 ) وعزاه للطبراني في المعجم الكبير . ( 5 ) رواه من حديث عبد الله بن عمرو : الامام أحمد في المسند ( ج 2 حديث رقم 6815 ) ومسلم في صحيحه ، كتاب العلم ، حديث رقم 2 ، ولفظه فيه : عن عبد الله بن عمرو قال : هجرت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوما ، قال : فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية ، فخرج علينا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يعرف في وجهه الغضب ، فقال : « إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب » . 11 - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الاموي ، قال : حدثنا أبي قال : حدثنا الاعمش . وحدثني أحمد بن منيع قال : حدثنا يحيى بن سعيد الاموي عن الاعمش عن عاصم عن زر بن حبيش ، قال : قال عبد الله بن مسعود : تمارينا في سورة من القرآن ، فقلنا : خمس وثلاثون ، أوست وثلاثون آية ، قال : فانطلقنا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فوجدنا عليا يناجيه ، قال : فقلنا : إنا اختلفنا في القراءة ، قال : فاحمر وجه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقال : « إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم بينهم » ( 1 ) . قال : ثم أسر إلى علي شيئا ، فقال لنا علي : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يأمركم أن تقرؤوا كما علمتم . 12 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا عبيدالله بن موسى ، عن عيسى بن قرطاس ، عن زيد القصار ، عن زيد بن أرقم ، قال : كنا معه في المسجد فحدثنا ساعة ، ثم قال : جاء رجل إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : أقرأني عبد الله بن مسعود سورة أقرأنيها زيد ، وأقرأنيها أبي بن كعب ، فاختلفت قراءتهم ، فبقراءة أيهم آخذ ؟ قال : فسكت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) - قال : وعلي إلى جنبه - فقال علي : ليقرأ كل إنسان كما علم ، كل حسن جميل . 13 - حدثني يونس بن عبد الاعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب . قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عروة بن الزبير ، أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القارئ أخبراه أنهما سمعا عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، يقول : سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الدخان في حياة رسول الله ( على الله عليه وسلم ) ، فاستمعت لقراءته ، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة ، لم يقرئنيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فكدت أساوره ( 2 ) في الصلاة ، فتصبرت حتى سلم ، فلما سلم لببته ( 3 ) بردائه ، فقلت : من أقرأك هذه السورة التي سمعت تقرؤها ؟ قال : أقرأنيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فقلت : كذبت ، فوالله إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها ! فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقلت : يا رسول الله ، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ، وأنت أقرأتني سورة الفرقان . قال : فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « أرسله يا عمر ! اقرأ يا هشام » . فقرأ القراءة التي سمعته يقرؤها ، فقال مقدمة 20 ( 1 ) رواية أخرى للحديث الذي سبقه . راجع الحاشية السابقة . ( 2 ) كدت أساوره : أي كدت أواثبه وأبطش به . ( 3 ) أي أخذت بمجامع ردائه في عنقه وجررته به . مأخوذا من اللبة ، لانه يقبض عليها . رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « هكذا أنزلت » . ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « أقرأ يا عمر ! » فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله ( صلى عليه وسلم ) ، فقال رسول ( صلى الله عليه وسلم ) : « هكذا أنزلت » . ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم : « إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرءوا ما تيسر منها » ( 1 ) . 14 - حدثني أحمد بن منصور ، قال : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، قال : حدثنا حرب بن أبي ثابت من بني سليم ، قال : حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قرأ رجل عند عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فغير عليه ، فقال : لقد قرأت على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فلم يغير علي . قال : فاختصما عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : يا رسول الله : ألم تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال : « بلى ! » قال : فوقع في صدر عمر شئ ، فعرف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك في وجهه ، قال : فضرب صدره ، وقال : « ابعد شيطانا » قالها ثلاثا ، ثم قال : « يا عمر ، إن القرآن كله صواب ، ما لم تجعل رحمة عذابا ، أو عذابا رحمة » ( 2 ) . 15 - حدثنا عبيدالله بن محمد الفريابي ، قال حدثنا عبد الله بن ميمون ، قال : حدثنا عبيدالله ، يعني ابن عمر ( 3 ) ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : سمع عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، رجلا يقرأ القرآن ، فسمع آية على غير ما سمع من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأتى به عمر إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : يا رسول الله ، إن هذا قرأ آية كذا وكذا . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « أنزل القرآن على سبعة أحرف ، كلها شاف كاف » . 16 - حدثني يونس بن عبد الاعلى ، قال أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني هشام بن سعد ، عن علي بن أبي علي ، عن زبيد ( 4 ) ، عن علقمة النخعي ، قال : لما خرج عبد الله بن مسعود من الكوفة ، اجتمع إليه أصحابه فودعهم ، ثم قال : لا تنازعوا في القرآن فإنه لا يختلف ولا يتلاشى ( 5 ) ولا يتغير لكثرة الرد ، وإن شريعة الاسلام وحدوده وفرائضه فيه واحدة ، ولو كان شئ من الحرفين ينهى عن شئ يأمر بن الآخر ، كان ذلك الاختلاف ، مقدمة 21 ( 1 ) رواه البخاري في الخصومات باب 4 ، واستتابة المرتدن باب 9 . ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم 270 . وأبو داود في أبواب الوتر باب 22 . والترمذي في القراءات باب 9 . والنسائي في الافتتاح باب 37 . ومالك في الموطأ ، كتاب القرآن حديث رقم 5 . واحمد في المسند ( ج 1 ) حديث رقم 277 ، وحديث رقم 296 ) . ( 2 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 5 رقم 16366 ) . ( 3 ) هو عبيدالله بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، وليس هو ابن عمر بن الخطاب . ( 4 ) في نسخة زيد . والصواب ما أثبتناه . ( 5 ) قوله : « ولا يتلاشى » قال أهل اللغة : إنه مولد من « لا شئ » كأنه اضمحل حتى صار إلى لا شئ . ولكنه جامع ذلك كله ، لا تختلف فيه الحدود ولا الفرائض ، ولا شئ من شرائع الاسلام ، ولقد رأيتنا نتنازع فيه عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فيأمرنا فنقرأ عليه ، فيخبرنا أنا كلنا محسن ، ولو أعلم أحدا أعلم بما أنزل الله على رسوله مني لطلبته حتى أزداد علمه إلى علمي . ولقد قرأت من لسان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سبعين مرة ، وقد كنت علمت أنه يعرض عليه القرآن في كل رمضان ، حتى كان عام قبض ، فعرض عليه مرتين . فكان إذا فرغ أقرأ عليه ، فيخبرني أني محسن . فمن قرأ قرأتي فلا يدعنها رغبة عنها ، ومن قرأ على شئ من هذه الحروف فلا يدعنه رغبة عنه ، فإنه من جحد بآية جحد به كله ( 1 ) . 17 - حدثني يونس بن عبد الاعلى ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا رشدين بن سعد ، عن عقيل بن خالد ، جميعا عن ابن شهاب . قال : حدثني عبيدالله بن عبد الله بن عتبة ، أن ابن عباس حدثه : أن رسول الله ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : « أقرأني جبرئيل على حرف ، فراجعته ، فلم أستزيده فيزيدني ، حتى انتهى إلى سبعة أحرف » ( 2 ) . قال ابن شهاب : بلغني أن تلك السبعة الاحرف إنما هي في الامر الذي يكون واحدا ، لا يختلف في حلال ولا حرام . 18 - حدثني محمد بن عبد الله ابن أبي مخلد الواسطي ، ويونس بن عبد الاعلى الصدفي ، قالا : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عبيدالله ، أخبره أبوه ، أن أم أيوب أخبرته ، أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « أنزل القرآن على سبعة أحرف ، أيها قرأت أصبت » ( 3 ) . 19 - حدثنا إسماعيل بن موسى السدي . قال : أنبأنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن سليمان بن صرد ، يرفعه ، قال : « أتاني ملكان فقال أحدهما : اقرأ قال : على كم ؟ قال : على حرف ، قال : زده ! » حتى انتهى إلى سبعة أحرف ( 4 ) . مقدمة 22 ( 1 ) رواه الامام أحمد في المسند مطولا ، وفيه : « إن القرآن لا يختلف ولا يستشن ولا يتفه لكثرة الرد » ( انظر المسند ج 2 حديث 3845 ) . ( 2 ) رواه البخاري في فضائل القرآن باب 5 ، وبدء الخلق باب 6 . ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها حديث رقو 272 . والنسائي في الافتتاح باب 37 . وأحمد في المسند ( ج 1 حديث 2375 و 2717 و 2860 ) . ( 3 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 10 حديث رقم 27513 و 27694 ) وفيه « أيها قرأت أجزأك » بدل « أصبت » . ( 4 ) رواه الامام أحمد مطولا من رواية سليمان بن صرد عن أبي بن كعب . وسيأتي في رواية الطبري مثل رواية أحمد في الحديث رقم 21 في الصفحة التالية . 20 - حدثنا ابن البرقي ، قال : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا نافع بن يزيد ، قال : حدثني عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن عبيدالله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « أقرني جبرئيل القرآن على حرف ، فاستزدته ، فزادني ، ثم استزدته فزادني ، حتى انتهى إلى سبعة أحرف » ( 1 ) . * - حدثني الربيع بن سليمان ، قال حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبيدالله بن أبي يزيد ، عن أبيه ، أنه سمع أم أيوب تحدث عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فذكر نحوه ، يعني نحو حديث ابن أبي مخلد . * - حدثنا الربيع ، قال : حدثنا أسد ، قال : حدثنا أبو الربيع السمان ، قال : حدثني عبيدالله بن أبي يزيد ، عن أبيه ، عن أم أيوب ، أنها سمعت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : « نزل القرآن على سبعة أحرف ، فما قرأت أصبت » ( 2 ) . 21 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثني يحيى بن آدم ، قال : حدثني إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن فلان العبدي - قال أبو جعفر : ذهب عني اسمه - عن سليمان بن صرد عن أبي بن كعب ، قال : رحت إلى المسجد فسمعت رجلا يقرأ ، فقلت : من أقرأك ؟ فقال : رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فانطلقت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقلت : استقرئ هذا ! قال : فقرأ . فقال : « أحسنت ! » . قال : فقلت : قد أحسنت ، قد أحسنت ! ! قال : فضرب بيده على صدري ثم قال : « اللهم أذهب عن أبي الشك ! » . قال : ففضت عرقا ، وامتلا جوفي فرقا ، ثم قال : « إن الملكين أتياني ، فقال أحدهما : اقرأ القرآن على حرف ، وقال الآخر : زده . قال : فقلت زدني . قال : اقرأه على حرفين ، حتى بلغ سبعة أحرف ، فقال اقرأ على سبعة أحرف » ( 3 ) . 22 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا ابن أبي عدي . وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا محمد بن ميمون الزعفراني ، جميعا عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن أبي بن كعب رضي الله عنه ، قال : ما حاك في صدري شئ منذ أسلمت إلا أني قرأت آية فقرأها رجل غير قراءتي ، فقلت : أقرأنيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال الرجل : أقرأنيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأتيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقلت : أقرأتني آية كذا وكذا ؟ قال : « بلى ! » قال مقدمة 23 ( 1 ) سبق تخرجيه في الحاشية رقم 2 من الصفحة السابقة . ( 2 ) الحديث مر برقم 18 . انظر تخريجه هناك . ( 3 ) رواه الامام أحمد مختصرا قليلا في المسند ( ج 8 حديث رقم 21210 ) . الرجل : ألم تقرأني آية كذا وكذا ؟ قال : « بلى ! إن جبرئيل وميكائيل ، عليهما السلام ، أتياني ، فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري ، فقال جبريل : اقرأ القرآن على حرف واحد ، وقال ميكائيل : استزده . قال جبريل : اقرأ القرآن على حرفين . فقال ميكائيل : استزده ، حتى بلغ ستة أو سبعة » . والشك من أبي كريب . وقال بشار ، في حديثه : « حتى بلغ سبعة أحرف » ولم يشك فيه ، « وكل شاف كاف » ( 1 ) ، ولفظ الحديث لابي كريب . * - وحدثني يونس بن عبد الاعلى ، قال : أخبرنا وهب ، قال : أخبرني يحيى بن أيوب ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، عن أبي بن كعب ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، بنحوه . وقال في حديثه : « حتى بلغ ستة أحرف ، قال : اقرأه على سبعة أحرف ، كل شاف كاف » ( 2 ) . 23 - حدثنا محمد بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا حماد بن سلمه ، عن حميد ، عن أنس بن مالك ، عن عبادة بن الصامت ، عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » ( 3 ) . 24 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا حسين بن علي ، وأبو أسامة ، عن زائدة ، عن عاصم ، عن زر ، عن أبي ، قال : لقي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جبريل عند أحجار المراء ( 4 ) ، فقال : « إني بعثت إلى أمة الاميين ، منهم الغلام والخادم والشيخ الفاني والعجوز » . فقال جبريل : فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف ( 5 ) . ولفظ الحديث لابي أسامة . 25 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن نمير ، قال : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد . وحدثنا عبد الحميد بن بيان القناد ، قال : حدثنا محمد بن يزيد الواسطي ، عن إسماعيل ، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن جده ، عن أبي بن كعب ، قال : كنت في المسجد ، فدخل رجل يصلي ، فقرأ قراءة أنكرتها عليه ، ثم دخل رجل آخر ، فقرأ مقدمة 24 ( 1 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 8 حديث رقم 21150 و 21190 ) . ( 2 ) هذا الحديث مكرر الحديث قبله ، وقد أشرنا إلى تخريجه في الحاشية السابقة . ( 3 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 8 حديث رقم 21149 ) هكذا مختصرا . ( 4 ) أحجار المراء : موضع بقباء خارج المدينة . وذكر ابن الاثير في النهاية والفيروز أبادي في القاموس عن مجاهد أنها هي قباء . أما البكري في « معجم ما استعجم » فقد ذكر أنه موضع بمكة . ( 5 ) رواه الترمذي في القرآن باب 9 . وأحمد في المسند ( 8 حديث 21262 ) . قراءة غير قراءة صاحبه ، فدخلنا جميعا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : فقلت : يا رسول الله : إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ، ثم دخل هذا فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه . فأمرهما رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقرآ ، فحسن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) شأنهما . فوقع في نفسي من التكذيب ، ولا إذ كنت في الجاهلية ، فلما رأى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ما غشيني ، ضرب على صدري ، ففضت عرقا كأنما أنظر إلى الله فرقا ، فقال لي : « يا أبي أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف ، فرددت عليه أن هون على أمتي ! فرد علي في الثانية أن اقرأ القرآن على حرف ، فرددت عليه أن هون على أمتي ! فرد علي في الثالثة : أن اقرأ القرآن على سبعة أحرف ، ولك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها ، فقلت : اللهم اغفر لامتي الله أغفر لامتي ، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي فيه الخلق كلهم ، حتى إبراهيم » ( 1 ) . إلا أن ابن بيان قال في حديثه 7 فقال لهم النبي ، ( صلى الله عليه وسلم ) : « قد أصبتم وأحسنتم » وقال أيضا : « فارفضضت ( 2 ) عرقا » . 26 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا محمد بن فضيل ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، بإسناده عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، نحوه ، وقال : « قال لي : أعيذك بالله من الشك والتكذيب » ، وقال أيضا : « إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف ، فقلت : اللهم رب خفف عن أمتي ! قال : اقرأه على حرفين ، فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرف ، من سبعة أبواب من الجنة كلها شاف كاف » ( 3 ) . 27 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا وكيع ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى - ( و ) وعن ابن أبي ليلى عن الحكم - عن ابن أبي ليلى ، عن أبي ، قال : دخلت المسجد ، فصليت فقرأت النحل ، ثم جاء رجل آخر فقرأها على غير قراءتي ، ثم دخل رجل آخر فقرأ بخلاف قراءتنا ، فدخل في نفسي من الشك والتكذيب أشد مما كان في الجاهلية ، فأخذت بأيديهما ، فأتيت بهما النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقلت : يا رسول الله ، استقرئ هذين ! فقرأ أحدهما : فقال « أصبت » ، ثم استقرأ الآخر ، فقال : « أصبت » ! فدخل قلبي أشد مما كان في الجاهلية من الشك والتكذيب ، فضرب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، صدري ، وقال : « أعاذك الله من الشك ، وأخسأ عنك الشيطان » قال إسماعيل : ففضت عرقا ولم يقله مقدمة 25 ( 1 ) رواه مسلم في صلاة المسافرين حديث رقم 273 . وأحمد في المسند ( ج 8 حديث 21229 و 21237 ) . ( 2 ) ارفضاض العرق : تتابع سيلانه . ( 3 ) هذا مكرر الحديث الذي سبقه مع اختلاف في اللفظ . ابن أبي ليلى . قال : فقال : « أتاني جبريل ، فقال : اقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت : إن أمتي لا تستطيع ذلك ، حتى قال سبع مرات ، فقال لي : اقرأ على سبعة أحرف ولك بكل ردة رددتها مسألة ( 1 ) ، قال : فاحتاج إلي فيها الخلائق ، حتى إبراهيم ( صلى الله عليه وسلم ) » . * - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عبد الله ، عن ابن أبي ليلى ( 2 ) ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، بنحوه . 28 - حدثني أحمد بن محمد الطوسي ، قال : حدثنا عبد الصمد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا محمد بن جحادة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبي بن كعب ، قال : أتى جبريل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو عند أضاة بني غفار ، فقال : إن الله تبارك وتعالى ، يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف ، فمن قرأ منها حرفا فهو كما قرأ ( 3 ) . 29 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبي بن كعب ، أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان أضاة بني غفار ، قال : فأتاه جبريل ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف . قال : « أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك » . قال : ثم أتاه ثانية : فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين ، قال : « أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك » . ثم جاءه الثالثة ، فقال : إن يأمرك أن تقرئ أمتك على ثلاثة أحرف . قال : « أسأل الله معافاته ومغفرته ، إن أمتي لا تطيق ذلك » . ثم جاءه الرابعة ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف ، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا ( 4 ) . * - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، قال : أتى حبيريل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عند أضاة بني غفار ، فذكر نحوه . * - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا موسى بن داود ، قال : حدثنا شعبة ، وحدثنا الحسن بن عرفة ، قال : حدثنا شبابة ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبي بن كعب ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، بنحوه . مقدمة 26 ( 1 ) هكذا بالاصل ، ولعل هنا سقطا يعلم من الرواية السابقة . ( 2 ) هكذا في الاصول ، ويظهر أنه قد سقط من السند راويان أو ثلاثة . ( 3 ) هذا الحديث مختصر ، وسيرويه الطبري في الحديث التالي مطولا . ( 4 ) رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها حديث 274 . وأحمد في المسند ( ج 8 حديث 21230 ) . 30 - حدثني يونس بن عبد الاعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني هشام بن سعد ، عن عبيدالله بن عمر ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي بن كعب ، أنه قال : سمعت رجلا يقرأ في سورة النحل قراءة تخالف قراءتي ، ثم سمعت آخر يقرؤها قراءة تخالف ذلك ، فانطلقت بهما إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقلت : إني سمعت هذين يقرآن في سورة النحل ، فسألتهما من أقرأهما ؟ فقالا : رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقلت : لاذهبن بكما إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : إذا خالفتما ما أقرأني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لاحدهما : « أقرأ » ، فقرأ ، فقال : « أحسنت ! » ، ثم قال للآخر : « اقرأ ! » فقرأ ، فقال : « أحسنت » قال أبي : فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان ، حتى احمر وجهي ، فعرف ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في وجهي ، فضرب بيده في صدري ، ثم قال : « اللهم أخسئ الشيطان عنه ! أتاني آت من ربي ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت : رب ، خفف عني ! ثم أتاني الثانية ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت : رب خفف عن أمتي ! ثم أتاني الثالثة ، فقال مثل ذلك ، وقلت مثله . ثم أتاني الرابعة ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف ولك بكل ردة مسألة ، فقلت : يا رب اغفر لامتي ، يا رب اغفر لامتي ، واختبأت الثالثة شفاعتي لامتي يوم القيامة » . 31 - حدثنا محمد بن عبد الاعلى الصنعاني ، قال : حدثنا ، المعتمر بن سليمان ، قال سمعت عبيدالله بن عمر ، عن سيار أبي الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، رفعه إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ذكر : أن رجلين اختصما في آية من القرآن ، وكل يزعم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أقرأه ، فتقارآ إلى أبي ، فخالفهما أبي ، فتقارءوا إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : يا نبي الله ، اختلفا في آية من القرآن وكلنا يزعم أنك أقرأته . فقال لاحدهما : « أقرأ ! » . قال : فقرأ . فقال : « أصبت ! » . وقال للآخر : « أقرأ ! » . فقرأ خلاف ما قرأ صاحبه . فقال : « أصبت ! » . وقال لابي « أقرأ ! » . فقرأ فخالفهما ، فقال : « أصبت ! » . قال أبي فخدلني من الشك في أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما دخل في من أمر الجاهلية قال : فعرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذي في وجهي ، فرفع يده فضرب صدري ، وقال : « استعذ بالله من الشيطان الرجيم » . قال : ففضت عرقا ، وكأني أنظر إلى الله فرقا ، وقال : « إنه أتاني آت من ربي ، فقال : إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت : رب خفف عن أمتي » . قال : « ثم جاء ، فقال : إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت : رب خفف عن أمتي » . قال : « ثم جاء الثالثة ، فقال : إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت رب خفف عن أمتي » . قال : « ثم جائني الرابعة ، فقال : إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف ، ولك بكل ردة مسألة » . قال : « قلت : رب اغفر لامتي ، رب اغفر لامتي ، واختبأت الثالثة شفاعة لامتي ، حتى إبراهيم ( صلى الله عليه وسلم ) خليل الرحمن ليرغب فيها » . 32 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا زيد بن الحباب ، عن حماد بن سملة ، عن علي بن زيد ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « قال جبريل : اقرءوا القرآن على حرف ، فقال ميكائيل : استزده ، فقال : على حرفين ، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف ، فقال : كلها شاف كاف ، ما لم يختم آية عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب ، كقولك هلم وتعال » ( 1 ) . 33 - حدثني يونس بن عبد الاعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرنا سليمان بن بلال ، عن يزيد بن خصيفة ، عن بشر بن سعيد ، أن أبا جهم ( 2 ) الانصاري ، أخبره : أن رجلين اختلفا في آية من القرآن ، فقال هذا : تلقيتها من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقال اللآخر : تلقيتها من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فسالا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عنها ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فلا تماروا في القرآن ، فان المراء فيه كفر » ( 3 ) . 34 - حدثنا يونس قال : أخبرنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ( 4 ) ، قال : قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : « أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف » . 35 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أخبرني سليمان بن بلال ، عن أبي عيسى بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ، عن جده عبد الله بن مسعود ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف ، كل كاف شاف » ( 5 ) . 36 - حدثنا أحمد بن حازم الغفاري ، قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا أبو خلدة ، مقدمة 27 ( 1 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 7 حديث 20447 ) بشئ من الاختصار . ورواه أيضا ( ج 7 حديث 20537 ) بنحوه وفيه زيادة : « نحو قولك تعال وأقبل وهلم واذهب وأسرع وأعجل » . ( 2 ) صوابه أبو جهيم الانصاري ، وهو أبو جهيم بن الحارث بن الصمة رضي الله عنه ، كما ذكره أحمد في المسند . ( 3 ) رواه الامام أحمد في المسند ( ج 6 حديث 17550 ) . ( 4 ) عمرو بن دينار تابعي ، فهذا الحديث مرسل . ( 5 ) وردت أسماء هذا الحديث في « م » على هذا النحو : وحدثني يونس قال : أخبرني سليمان بن بلال ، عن أبي عيسى ، عن عبد الله بن مسعود . قال : حدثني أبو العالية ( 1 ) ، قال : قرأ على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، من كل خمس رجل ، فاختلفوا في اللغة فرضي قراءتهم كلهم ، فكان بنو تميم أعرب القوم . 37 - عمرو بن عثمان العثماني ، قال حدثنا ابن أبي أويس ، قال حدثنا أخي ، عن سليمان بن بلال ، عن محمد بن عجلان ، عن المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرءوا ولا حرج ، ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ، ولا ذكر عذاب برحمة » . 38 - حدثنا محمد بن مرزوق ( 2 ) قال : حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ، قال : حدثنا عبد الوارث ، : قال حدثنا محمد بن جحادة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي بن كعب ، قال : أتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، جبريل ، وهو بأضاة بن غفار ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف واحد . قال : فقال : « أسأل الله مغفرته ومعافاته » - أو قال : « معافاته ومغفرته - إنهم لا يطيقون ذلك ، فسل الله لهم التخفيف ! » . فانطلق ثم رجع ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين . قال : « أسأل الله مغفرته ومعافاته » - أو قال : « معافاته ومغفرته - إنهم لا يطيقون ذلك ، فسل الله لهم التخفيف ! » . فانطلق ثم رجع ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف . فقال : « أسأل الله مغفرته ومعافاته » - أو قال : « معافاته ومغفرته - إنهم لا يطيقون ذلك ، سل الله لهم التخفيف ! » . فانطلق ثم رجع ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف ، فمن قرأ منها بحرف فهو كما قرأ « ( 3 ) . قال أبو جعفر : صح وثبت ، أن الذي نزل به القرآن من ألسن العرب البعض منها دون الجميع ، إذ كان معلوما أن ألسنتها ولغاتها أكثر من سبعة ، بما يعجز عن إحصائه . فإن قال : وما برهانك على أن معنى قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : » نزل القرآن على سبعة أحرف « وقوله : » أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف « هو ما ادعيته ، من أنه نزل بسبع لغات وأمر بقراءته على سبعة ألسن ، دون أن يكون معناه ما قاله مخالفوك من أنه نزل بأمر وزجر وترغيب وترهيب» مقدمة 28 ( 1 ) أبو العالية تابعي يروي عن الصحابة ، فهذا الحديث مرسل . ( 2 ) وردت أسماء رواة هذا الحديث في بعض النسخ على هذا النحو : حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو ، عن أبي الحجاج قال : حدثنا عبد الوارث - يعني ابن جحادة - عن الحكم . . . ( 3 ) مضى الحديث مختصرا ( برقم 28 ) وقد أشرنا إلى تخريجه هناك . وقصص ومثل ونحو ذلك الاقوال ؟ فقد علمت قائلي ذلك من سلف الامة وخيار الائمة . قيل له : إن الذين قالوا ذلك ، لم يدعوا أن تأويل الاخبار التي تقدم ذكرنا لها هو ما زعمت أنهم قالوه في الاحرف السبعة التي نزل بها القرآن دون غيره فيكون ذلك لقولنا مخالفا ، وإنما أخبروا أن القرآن نزل على سبعة أحرف ، يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوجه ، والذي قالوه من ذلك كما قالوا . وقد روينا بمثل الذي قالوا من ذلك ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعن جماعة من أصحابه ، أخبارا قد تقدم ذكرنا بعضها ، وسنستقصي ذكر باقيها ببيانه إذا انتهينا إليه إن شاء الله . فأما الذي تقدم ذكرناه من ذلك ، فخبر أبي بن كعب من رواية أبي كريب ، عن ابن فضيل ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، الذي ذكر فيه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : « أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف ، من سبعة أبواب الجنة » ( 1 ) . والسبعة الاحرف هو ما قلنا من أنه الالسن السبعة ، والابواب السبعة من الجنة هي المعاني التي فيها من الامر ، والنهي ، والترغيب ، والترهيب ، والقصص ، والمثل ، التي إذا عمل بها العامل وانتهى إلى حدودها المنتهي ، استوجب به الجنة . وليس والحمد لله في قول من قال ذلك من المتقدمين ، خلاف لشئ مما قلناه ، والدلالة على صحة ما قلناه ، من أن معنى قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : « نزل القرآن على سبعة أحرف » إنما هو أنه نزل بسبع لغات ، كما تقدم ذكرناه من الروايات الثابتة عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود ، وأبي بن كعب ، وسائر من قدمنا الرواية عنه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في أول هذا الباب ، أنهم تماروا في القرآن ، فخالف بعضهم بعضا في نفس التلاوة دون ما في ذلك من المعاني ، وأنهم احتكموا فيه إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فاستقرأ كل رجل منهم ، ثم صوب جميعهم في قراءتهم على اختلافها ، حتى ارتاب بعضهم لتصويبه إياهم ، فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) للذي ارتاب منهم عند تصويبه جميعهم : « إن أمرني أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف » . ومعلوم أن تماريهم فيما تماروا فيه من ذلك ، لو كان تماريا واختلافا فيما دلت عليه تلاواتهم ، من التحليل ، والحريم ، والوعد ، والوعيد ، وما أشبه ذلك ، لكان مستحيلا أن يصوب جميعهم ( صلى الله عليه وسلم ) ، ويأمر كل قارئ منهم أن يلزم قراءته في ذلك على النحو الذي هو عليه ، لان ذلك لو جاز أن يكون الله - جل ثناؤه - قد أمر بفعل مقدمة 29 ( 1 ) أخرج الامام أحمد في المسند نحوه في مسند ابن مسعود الحديث رقم 4252 ج 2 ولفظه : « إن القرآن نزل على نب